كفاءة الاقتصاد الصيني.. مقومات وآفاق

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

كانت الصين لا تزال تنمو، وذلك طبقاً لما تم تضمينه في أطروحة مجموعة البريكس الأصلية. فهذه الدول أصبحت بحق عملاقاً اقتصادياً ولم تعد تقتصر على مجال عمل محدد في حقول الاستثمارات والصناعات، بل أصبحت تعي متغيرات السوق وتواكب كافة المستجدت بكفاءة عالية، موظفة خبرات وإمكانات هائلة في سبيل ضمان تفوقها بأي منافسة في هذا الصدد.

لقد افترضنا طبقاً لتحليلنا أن الصين قد تصبح كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمريكية من حيث القيمة الاسمية بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وأن هذا النمو قد يجعل مجموعة البريكس، وبشكل جماعي، كبيرة مثل مجموعة الست الكبار (أي مجموعة السبع الكبار ناقص كندا)، بحلول نهاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. ومن المفارقات أنه نظراً لارتفاع قيمة الرنمينبي العام الماضي، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للصين بشكل حاد إلى ما يقرب من 18 تريليون دولار في عام 2021، مقارنة بـ 23 تريليون دولار في الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى كل الأحوال، يبدو أن المزيد من الاحتياطات والإجراءات النوعية الضامنة لسلامة سيرورة الاقتصاد وقوة ديمومته.

تصادفت إقامتي في الصين خلال زيارة لها لأول مرة سنة 1990 مع عطلة عامة، وقد أُتيحت لي الفرصة لزيارة قسم بادالينج من السور العظيم (الذي لم يكن من الممكن الوصول إليه بسلاسة في تلك الأيام)، حيث تساءلت عن سبب وجود العديد من المباني الحديثة الشاهقة المنتشرة بشكل متقطع على جانبي الطريق، ومثل العديد من المحللين الآخرين على مدى السنوات الـ31 الماضية، كان لدي شكوك في أن انهيار سوق العقارات قد يكون وشيكاً. كانت دهشتي وإعجابي لا حدود لهما بهذا الاقتصاد الفريد.

على أي حال، وبحلول سنة 1998، أسوأ أيام الأزمة المالية الآسيوية، أصبح من المألوف ضمن جمهور المال السريع الافتراض أن انهيار سوق العقارات كان يلوح في الأفق، وأن التداعيات اللاحقة في الصين سوف تزيد من الأزمة الإقليمية.

لقد حقق الدولار ارتفاعاً حاداً مقابل الين الياباني، ويبدو أن هذا كان يقود البلدان الآسيوية ذات أسعار الصرف المرتبطة بالدولار أو الديون الكبيرة المقومة بالدولار إلى الهاوية، ولقد كانت هناك شائعات مفادها أن الصين هددت بخفض قيمة الرنمينبي ما لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً لوقف ارتفاع الدولار. وبالنسبة لي كان من المحتمل جداً أن تغير الولايات المتحدة استراتيجيتها، وهذا ما حصل بالفعل، حيث تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر في سوق الصرف الأجنبي، وذلك من خلال إنفاق ما يقرب من ملياري دولار على شراء الين، وفي الوقت الذي ألحقت فيه تلك الخطوة خسائر كبيرة ببعض صناديق التحوط القيادية، فلقد كانت بمثابة بداية نهاية الأزمة الآسيوية.

لقد كانت تلك التجربة هي التي جعلتني أدرك أهمية الصين، وبعد ثلاث سنوات قمت بصياغة الاختصار «بريكس» لتسليط الضوء على إمكانات النمو في البرازيل وروسيا والهند والصين، وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهدت الاقتصادات الأربعة بالفعل نمواً كبيراً، ولكن الصين فقط هي التي حافظت على أدائها القوي (وإن كانت بمعدل أبطأ ومن رقم واحد منذ منتصف العقد الماضي).

لقد كنت طيلة تلك الفترة أشعر بالإعجاب بقدرة صناع السياسة الصينيين على إدارة التحديات الاقتصادية. لنأخذ على سبيل المثال الأزمة المالية العالمية لعام 2008، فبدلاً من أن تشكل ضربة قاضية، فقد حفّزت الصين على التخلي عن نموذج التنمية ذي القيمة المضافة المنخفضة الذي يحرّكه التصدير.

* رئيس سابق لإدارة الأصول في غولدمان ساكس ووزير خزانة سابق في بريطانيا، وهو عضو في لجنة عموم أوروبا للصحة والتنمية المستدامة

طباعة Email