الوسط السياسي.. مصطلح ودلالات

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

تُـرى هل من الممكن أن يحمل مصطلح «الوسط السياسي» أي أبعاد ؟ اكتسب هذا السؤال إلحاحاً متجدداً مع تزايد استقطاب السياسة في الولايات المتحدة، وتشيلي، والفلبين، والهند.

في تعليق نشرته مؤسسة بروجيكت سنديكيت مؤخراً، يقدم لنا العالِـم السياسي جان فيرنر مولر حكماً قاطعاً: «كلا».

يتمثل مستندا الإثبات الأول والثاني الواردان في حجته في عضوي مجلس الشيوخ الديمقراطيين كيرستن سينيما وجو مانشين، اللذين أحبطا خطط الإنفاق الطموحة التي اقترحها الرئيس الأمريكي جو بايدن. يزعم مولر أنهما ليسا وسطيين، بل يعتبرهما شخصين أنانيين لا توجه تصرفاتهما سوى حتمية إعادة انتخابهما. إنها «وسطية الموتى الأحياء» الخالية من أي مغزى.

لكن تقييم حالة الوسطية من خلال التركيز على سلوكيات هذين الشخصين أشبه بدراسة الجبال من خلال الاكتفاء بالنظر إلى ما أسماه مارتن لوثر كنج الابن «تِـلال الـخَـلَـد». من الواضح أن مجرد النظر إلى «جبال نيويورك العظمى» أو «جبال روكي المغطاة بالثلوج في كولورادو» سيكون أكثر كشفاً وإلهاماً.

صحيح أن الوسط السياسي ليس عامراً بالقادة البارزين في أيامنا هذه. لكنه لا يزال يقدم أرضية كافية، سواء من الناحية النظرية أو العملية، لبناء بديل أفضل كثيرا من الشعبوية التي تحكم الآن العديد من البلدان.

يهتم مولر بنوعين فقط من الوسطية. الأول يسميه «الوسطية الإجرائية»، لكن التسمية الأفضل هي «الوسطية البراجماتية»: في مواجهة أنظمة سياسية مفتتة، فإن الوسطيين هم من يرسون قواعد المفاوضات ويخلقون الظروف الملائمة لتسوية عملية ناجحة. مثل هذه الوسطية ضرورية لكنها غير ملهمة. يترك الوسطي البراجماتي البحت نفسه عُـرضة للاتهام القديم بأنه، مثل أهل الاقتصاد، يعرف ثمن كل شيء، لكنه لا يعرف قيمة لأي شيء.

النوع الثاني من وسطية مولر «موضعي»: الوسطي مجرد مسافة متساوية بين اليسار واليمين، وبالتالي فهو مجبر على ترك اختيارات رئيسية في أيدي آخرين.

لنتأمل هنا يمين الوسط الأوروبي، الذي استشعر الحاجة إلى تبني مواقف مناهضة للهجرة عندما أصبحت السياسة اليمينية المتطرفة الكارهة للأجانب أكثر شعبية. أو لنتأمل يسار الوسط في أميركا اللاتينية، الذي كثيراً ما يضطر إلى التسامح مع مستويات لا يمكن تحملها من الديون والعجز لأن أقصى اليسار يطالب بحزم إنفاق متزايدة الحجم.

ترقى الوسطية البراجماتية والموضعية إلى ما أسماه الفيلسوف الإيطالي نوربرتو بوبيو «طريقة وسطية ثالثة» أو «سياسة عملية بدون عقيدة». ويزعم بوبيو أن «طريقة ثالثة متفوقة» أكثر إثارة للاهتمام تتمثل في «عقيدة تبحث عن سياسة عملية». هل من الممكن أن يمثل الوسط مجموعة متميزة خاصة به من الأفكار؟ أجل، وقد فعل ذلك لفترة طويلة.

عندما يدّعي اليمين أن يمثل الحرية، فإنه يشير فقط إلى ما أسماه أشعيا برلين «الحرية السلبية» ــ التحرر من الإكراه الحكومي، أو التنظيم المفرط، أو الضرائب العقابية. على النقيض من هذا، يهتم الوسطيون بكل من الحرية السلبية والحرية الإيجابية. لنتأمل هنا طفلة من غير المرجح أن تلتحق بجامعة هارفارد وتصبح عالِـمة أو شاعرة بارزة، لأنها ببساطة نشأت في فقر، وذهبت إلى مدارس متواضعة، وعانت من التمييز.

كما يزعم اليسار أنه يدافع عن المساواة، لكنه لا يحدد أبداً ما إذا كان يعني المساواة في الدخل، أو الثروة، أو الفرصة.

بافتقاره إلى مثل هذا الوضوح، يميل اليسار إلى فرط التوسع (السماح للحكومة بالتوسع بلا حدود) أو التأكيد على الوسائل وليس الغايات (من خلال الإصرار على تسليم الصحة أو التعليم بشكل مباشر من قِـبَـل الدولة بدلاً من التركيز على جودة أو توفر الخدمات العامة الناتجة عن ذلك).

على النقيض من هذا، يدعو الوسطيون إلى حكومة ليست أكبر ولا أصغر مما تحتاج إليه مهمة تأمين الحرية الإيجابية. وهذا يجعلهم مختلفين تماماً عن الجمهوريين في الولايات المتحدة، الذين لم يصادفوا قَـط تخفيضاً ضريبياً لا يلقى استحسانهم، وهم يختلفون أيضاً عن الديمقراطيين اليساريين المتشددين من أمثال النائبة ألكسندرا أوكاسيو كورتيز، التي لا تُـعَـد في نظرها أي فاتورة إنفاق كبيرة بالقدر الكافي.

الواقع أن الوسطيين فقط هم من يبدون الاستعداد لتجاوز الجدال المبتذل حول حجم الدولة. إنهم يدركون أن الأسواق لا تنشأ من فراغ، بل تُـخـلَـق بواسطة مؤسسات الدولة القوية والضوابط التنظيمية الحكومية الصارمة.

لن يكون وال ستريت المركز المالي الرائد على مستوى العالم في غياب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، ولجنة الأوراق المالية والبورصات، وعشرات من الهيئات التنظيمية المالية الرئيسية الأخرى.

لكن على النقيض من اليساريين المتطرفين، يدرك الوسطيون أن دور التنظيم يتلخص في تعزيز المنافسة في السوق، وليس خنقها. كانت الاحتكارات تشكل تهديداً لكل من الكفاءة والحرية قبل قرن من الزمن، وهي تفرض تهديداً مماثلاً اليوم.

كما يزعم لويجي جونزاليس من جامعة شيكاغو، فقد حان الوقت لدفن «مبدأ حرية العمل دون تدخل الذي تحول إلى ميت حي»، والاستعاضة عنه بنوع من التنظيم الذي يجعل الأسواق تنافسية وشفافة.

مع ذلك، لا يكفي الاقتصاد السليم لمنح الليبرالية ميزة في الكفاح ضد الشعبوية. الواقع أن الشعبويين سيلعبون دوماً دور قادة للناخبين أو يتلاعبون بوقاحة بأعمق مخاوفهم وأسباب انزعاجهم، ولهذا ينبغي للساسة الوسطيين أن يتعاملوا مع الناخبين على أنهم أشخاص ناضجون، فيخبرونهم بالحقيقة الواضحة ولا شيء غير الحقيقة.

في عصر يتسم بتدني الثقة وتفشي المعلومات المضللة، ممن الممكن أن يقدم الحديث الصريح ميزة انتخابية حاسمة. الواقع أن إيمانويل ماكرون فاز بالرئاسة الفرنسية بعد أن أخبر الناخبين بصراحة أن بلدهم تخلف عن الركب ويحتاج إلى اتخاذ اختيارات صعبة لاستعادة الأرض التي خسرها.

يوبخ مولر ماكرون لأنه ليس تكنوقراطياً وحسب، بل لأنه أيضاً «رجل قوي ليبرالي»، ويُـقال عنه إنه ينكر التعددية الديمقراطية ويفترض «أن هناك دائماً بعض الاستجابة العقلانية الفريدة لأي تحد سياسي».

لكن هذا الاتهام يتجاهل مقولة ساخرة قديمة مفادها أن «كل امرئ من حقه أن يبدي رأيه، ولكن لا يحق له أن يسرد الحقائق من منظوره». إن محاربة التضليل الذي تنشره مارين لوبان من أقصى اليمين وجاك لوك ميلينشون من أقصى اليسار تعتبر مساهمة في الحوار الديمقراطي، وليست إنكاراً للتعددية.

تدور السياسة الديمقراطية حول التسوية. ولكن أولاً، يتعين علينا أن نثبت أن تغير المناخ حقيقة واقعة، وأن اللقاحات لا تسبب التوحد، وأن الأسواق تفعل أكثر من مجرد خدمة مصالح شركات النفط الكبرى أو المصرفيين الجشعين في وال ستريت. على حد تعبير حنا أرندت، فإن «الحقائق تنير الرأي». الحقيقة موجودة دائماً، والوسطيون هم من يجب أن نوجه إليهم النداء للدفاع عنها.

* مرشح رئاسي ووزير مالية سابق في شيلي، ويشغل حالياً منصب عميد كلية السياسة العامة في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

 

طباعة Email