00
إكسبو 2020 دبي اليوم

تفكير مثمر لتنظيم المخاطر المرتبطة بالمناخ

صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

إذا أردنا الإبقاء على الزيادة في درجات حرارة الأرض دون الدرجتين المئويتين فوق مستويات ما قبل الصناعة هذا القرن، فيجب أن يُـتـرَك نحو 80 % من كل الاحتياطيات من الفحم، وثلث كل الاحتياطيات من النفط، ونصف كل الاحتياطيات من الغاز دون أن يُـحـرَق، ويجب أن يُـتـرَك كل النفط في القطب الشمالي وبقية الرمال النفطية في كندا، أكبر مخزون في العالم من النفط الخام، في الأرض، على الفور تقريباً.

في تعليق حديث، يزعم جون كوكرين، زميل مؤسسة هوفر، أن «المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ» ليست سوى مغالطة. تتلخص فرضيته اللافتة للنظر في أن تغير المناخ لا يشكل تهديداً للنظام المالي العالمي، لأنه - والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري اللازم لمعالجته - يُـعَـد من التطورات التي يعلم الجميع بالفعل أنها جارية. وهو يرى التنظيم المالي المرتبط بالمناخ على أنه حصان طروادة لأجندة سياسية لا تحظى بأي شعبية.

نحن نخالفه الرأي. بادئ ذي بدء، ينبغي لنا أن نعترف بالسياق الذي تنشأ فيه الضوابط التنظيمية. في ما يتصل بالسياسة المناخية، زودت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ الساحة بتقريرها التقييمي السادس، الذي خلص بدرجة عالية من اليقين إلى أن مناخ الأرض يتغير، وأن الأنشطة البشرية هي السبب. ويذهب عالِم البيئة ويليام ريبل، المؤلف المشارك لدراسة حديثة حول «العلامات الحيوية» لكوكب الأرض، إلى ما هو أبعد من هذا، فيقول: «هناك أدلة متزايدة تؤكد أننا نقترب من، أو تجاوزنا بالفعل، نقاط التحول المرتبطة بأجزاء مهمة من نظام الأرض».

على عكس أزمة 2008 المالية العالمية، عندما جرى إنقاذ البنوك التي خاضت مجازفات مفرطة، وبدأ إصلاح التنظيم المالي العالمي في ضوء فهمنا الجديد للأسواق المالية التي تتسم بالاتكالية المتبادلة، فإن تغير المناخ بلا ضابط أو رابط من شأنه أن يُـفضي إلى أزمة ذات نتائج لا رجعة فيها.

السؤال، كما يقول كوكرين، هو ما إذا كان التنظيم المالي المرتبط بالمناخ قادراً على فعل أي شيء لمساعدتنا في تجنب مثل هذه النتائج. برغم أن الإجابة معقدة وغير مكتملة حالياً، فإننا نزعم أنه قادر. إن التنظيم المالي للتخفيف من المخاطر المناخية هدف يستحق الملاحقة، لأن المخاطر أعلى من أن نسمح للكمال بأن يصبح عدواً للصالح.

لنتأمل هنا بعض الحجج حول المخاطر المالية الجهازية والأحداث المناخية المتطرفة. أولاً: يُـقال لنا إن خطر «الأصول العالقة»، وخاصة أصول الوقود الأحفوري، ستصبح حقيقة من حقائق الحياة، يتحملها المستثمرون فقط. هنا، يشير كوكرين، بحق، إلى أن الاستثمارات في الوقود الأحفوري كانت دائماً محفوفة بالمخاطر، ولكن هل يمكننا أن نقول بشكل معقول إن انتشار مصدر الطاقة هذا يجب أن يُترَك لقوى السوق وحدها، أو أن المستثمرين وحدهم هم من سيتحملون التكاليف؟

على الرغم من أن نصيب الفرد في استهلاك الوقود الأحفوري في بلدان مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة انخفض منذ عام 1990، فقد تنامى إجمالي الاستهلاك بشكل كبير في أماكن أخرى، فارتفع بنحو 50% على مستوى العالم خلال السنوات الأربعين الأخيرة. في عام 2020، كانت الصين والهند على رأس قائمة كبار منتجي الطاقة من الفحم، حيث تعتمدان على الفحم لتوفير 61% و71% من احتياجاتهما من الكهرباء على التوالي. ومن الواضح أن الاقتصاد في البلدين، واقتصاد العديد من البلدان النامية الأخرى لن يتحمل ببساطة انخفاضاً سريعاً في الطاقة المستخلصة من الوقود الأحفوري.

يُقال إن التنظيم التكنوقراطي للاستثمارات المناخية من غير الممكن أن يحمينا من نقاط التحول التي لا تندرج تحت أي نموذج معروف، لكن هذا الرأي يتجاهل ببساطة الأدبيات المطولة في اقتصاديات المناخ. في هذا الميدان، يُـستَـخـدَم عمل ويليام نوردهاوس، الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، كمرجع على نطاق واسع. لقد أَثَّـر نموذجه الديناميكي المتكامل في دراسة الاقتصاد المناخي على العديد من نماذج العديد من العلماء والاقتصاديين في تصور نقاط التحول، وتعتمد حكومة الولايات المتحدة بالفعل على «نماذج التقييم المتكاملة» هذه لصياغة السياسة وحساب «تكلفة الكربون الاجتماعية».

يجب أن يكون هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة والرأي العام والتنظيم مألوفاً منذ انهيار 2008. كان الإفراط في الإنفاق بالاستدانة بهذه الدرجة الخطيرة، والذي تسبب في توليد تلك الأزمة، سراً مكشوفاً للجميع، لكن أولئك الذين كانوا في موقع يسمح لهم، على المستويين السياسي والثقافي، بفعل أي شيء حيال ذلك لم يتورعوا عن إنكار الخطر الجهازي الذي يفرضه الإفراط في الإنفاق بالاستدانة. بوسع المرء أن يصادف الإنكار ذاته في مناقشة قضية المناخ. وفقاً لمركز التقدم الأمريكي، أدلى 139 عضواً في الكونغرس الأمريكي الحالي (109 في مجلس النواب، و30 عضواً في مجلس الشيوخ، بأغلبية من الكتلة الجمهورية) «بتصريحات حديثة تلقي بظلال من الشك على الإجماع العلمي الراسخ الواضح على أن حرارة العالم تزداد سخونة، وأن النشاط البشري هو المسؤول».

يسوق كوكرين حجة بليغة حول السبب وراء وجوب تركيز صناع السياسات على خلق استجابات متماسكة وصالحة علمياً لتغير المناخ والمخاطر الجهازية المالية بشكل منفصل، بدلاً من ملاحقة التنظيم المالي المناخي، لكن هذا ليس اختياراً من نوعية «إما أو»، فنحن في احتياج إلى النوعين من السياسات، كما نحتاج إلى التنسيق بين المجالين.

لهذا، ينبغي لنا أن نرحب بالنهج الذي اتخذه مجلس مراقبة الاستقرار المالي التابع لوزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين، والذي جمع بين منظمين بارزين وكلفهم بمنع تكرار انهيار وول ستريت عام 2008. قالت يلين إنها ستستخدم هذه الهيئة التنظيمية المتعددة الجهات كأداة رئيسية تساعدها في تقييم المخاطر المناخية وتطوير سياسات الإفصاح اللازمة للتحول إلى اقتصاد منخفض الكربون.

برغم أن هذا قد يبدو مجافياً للمنطق البديهي، فإن التنظيم المالي المرتبط بالمناخ قد يؤذن بقدوم شكل جديد من أشكال المساءلة السياسية، من خلال وضع الحكومات والأفراد (المنتخبين وغير المنتخبين) في موقع المسؤولية عن قراراتهم. كانت هذه المساءلة غائبة بشكل ملحوظ قبل وأثناء أزمة 2008، ولكن بالاستعانة بالإرادة السياسية، يصبح من الممكن أن يفتح التفكير الجاد في تنظيم المخاطر المالية المرتبطة بالمناخ مناقشة مثمرة لاتخاذ تدابير مماثلة على جميع جبهات السياسة الـمُـهمَـلة.

* أستاذ الاقتصاد ومدير الأبحاث في مركز أكسفورد لتحليل الاقتصادات الغنية بالموارد في جامعة أكسفورد

** أستاذ الموارد المالية في معهد التنمية الإدارية

opinion@albayan.ae

طباعة Email