العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    العالم الغني مَدين للدول الجُزرية

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    يُذَكرنا ظهور إعصار «إلسا» في منطقة بحر الكاريبي هذا الشهر، أي قبل بداية موسم الأعاصير في المحيط الأطلسي بِوقت طويل، بما ينتظر الدول الجُزرية الصغيرة النامية في جميع أنحاء العالم، في السنوات المقبلة.

    فهذه الدول تعاني بالفعل آثار تغير المناخ المدمِرة، وستحتاج إلى إنفاق مبالغ كبيرة على الإصلاحات والتدابير اللازمة لبناء القدرة على الثبات. وساهمت البلدان الغنية وشركاتها التي تنتج الوقود الأحفوري إلى حدٍّ كبير في المشكلة، ولذلك عليها أن تساعد على تغطية تكاليف تغير المناخ الباهظة التي تتحمَّلها الدول الجزرية الصغيرة النامية.

    ونظراً للظروف الفريدة التي تمرُّ بها الدول الجزرية الصغيرة النامية والبالغ عددها في العالم 58، منها 38 عضواً في الأمم المتحدة، فهي تنتمي إلى مجموعة خاصة داخل الأمم المتحدة منذ عام 1992. وفي دراسة جديدة بشأن هذه المجموعة، حددنا ثلاث نقاط ضعف هيكلية شاملة تواجه الدول الجزرية الصغيرة النامية في الوقت الراهن.

    أولاً، نظراً لأنَّ معظم الدول الجزرية الصغيرة النامية يسكنها عدد صغير من السكان (أقل من مليون)، فإنَّ صادراتها تتركز في عدد قليل من الصناعات. وحينما ظهر كوفيد 19، تضررت هذه الدول التي تعتمد على السياحة أكثر بكثير من معظم البلدان الأخرى، ولا سيما الاقتصادات المتقدمة. ففي عام 2020، انخفض الناتج المحلي الإجمالي لبربادوس، وفيجي، وجزر المالديف بنسبة 17.6 % و19 % و32.2 % على التوالي، مقارنة بـ3.5 % في الولايات المتحدة. وشهد العديد من الدول الجزرية الصغيرة النامية انخفاضاً حاداً في التحويلات المالية الدولية، وهو مصدر رئيس آخر لكسب الرزق في هذه البلدان.

    ثانياً، غالباً ما تتحمَّل العديد من الدول الجزرية الصغيرة النامية تكاليف شحن أعلى مقارنة بغيرها، لأنها بعيدة عن طرق الشحن الرئيسة في العالم، وهي مضطرة لشراء كميات أصغر من تلك التي تستطيع شراءها الاقتصادات الأكبر منها حجماً. والدول الجزرية الواقعة في المحيط الهادئ هي الأبعد عن تلك الطرق. وفي المحيط الهندي، تبعد جزر المالديف وسيشل كثيراً عن طرق الشحن والأسواق الرئيسة. وفي منطقة بحر الكاريبي، تختلف المسافة حسب تموقع المجموعات، حيث تقع بعض الجزر بالقرب من موانئ الولايات المتحدة أكثر من غيرها.

    وأخيراً، تعاني الدول الجزرية الصغيرة النامية، بسبب جغرافيتها الطبيعية، نقاط ضعف بيئية غير عادية، وتواجه أخطاراً خاصة، بما في ذلك انعدام الأمن الغذائي. ففي بلد كبير، عادة ما يكون لكارثة مثل الإعصار أو الجفاف تأثير مباشر في منطقة واحدة فقط؛ ولكن في دولة جزرية صغيرة، غالباً ما تضرب الكارثة معظم المناطق في البلاد أو جميعها في وقت واحد، ما يجهد عمليات الاستجابة للطوارئ وتكاليف الانتعاش الاقتصادي.

    وفضلاً عن ذلك، تسبب الاعتماد الحاد على الواردات الغذائية في إصابة سكان العديد من الدول الجزرية الصغيرة النامية بأمراض السكري والسمنة، وهي مشكلة ينبغي اعتبارها لائحة اتهام رسمي ضد شركات صناعة الأغذية العالمية، وهشاشة جغرافية لهذه البلدان.

    ولم يكن (إلسا) حدثاً منفرداً؛ إذ ما فتئ تغير المناخ الناتج عن تدخل الإنسان يؤدي إلى ارتفاع مستويات سطح البحر، وزيادة حدة الأعاصير، والفيضانات، والجفاف، وحرائق الغابات، وموجات الحرارة، وفشل المحاصيل، وتقلصت بالفعل مساحات الأراضي في العديد من بلدان جزر المحيط الهادئ، ما يشير إلى احتمال أنَّ سكانها سيضطرون في النهاية إلى الهجرة إلى مكان آخر. وفي جزر المالديف، حيث كانت المياه العذبة شحيحة على الدوام، تتعرض مصادر المياه الجوفية لتهديد مستمر من ارتفاع مستويات سطح البحر، وتغير أنماط هطول الأمطار.

    وفي منطقة البحر الكاريبي، لا تتسبب الأعاصير شديدة القوة، مثل الأعاصير الثلاثة التي تعرضت لها في عام 2017، في الموت والدمار فحسب، بل تخلف وراءها أيضاً فواتير تعافٍ ضخمة، وديوناً ثقيلة على البلدان المتضررة. ومن خلال تعزيز البنية التحتية المادية، يمكن لهذه البلدان أن تصبح أكثر قدرة على الثبات. وهذه المرونة لها عائد اجتماعي مرتفع للغاية، ولها أيضاً تكاليف رأسمالية مرتفعة تدفع مسبقاً.

    وذكر تقرير صدر في الآونة الأخيرة عن صندوق النقد الدولي، لقياس التكاليف الإضافية التي تواجه الدول النامية الصغيرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، أنَّ جميع الدول الـ25 التي شملتها الدراسة جزء من مجموعة الدول الجزرية الصغيرة النامية باستثناء دولتين. ويخلص صندوق النقد الدولي، مع تركيزه بصورة خاصة على التكاليف الإضافية لبناء بنية تحتية مستدامة في هذه البلدان، إلى أنَّ الدولة الجزرية الصغيرة الــ25 لا يمكنها تمويل أهداف التنمية المستدامة بمفردها. إنَّ تعهد المجتمع الدولي بـ«عدم ترك أي شخص يتخلف عن الركب» في تحقيق التنمية المستدامة، لا يمكن الوفاء به إلا من خلال توفير تمويل إنمائي إضافي للدول الجزرية الصغيرة النامية.

    ومع ذلك، على الرغم من الاحتياجات العاجلة والمتزايدة بسرعة للعديد من الدول الجزرية الصغيرة النامية، فإنَّ هذه الأخيرة غير مؤهلة للاقتراض بشروط ميسَّرة من بنوك التنمية الرسمية، وصناديق المناخ الخاصة المنشأة حديثاً. إذ يقال لها إنها غنية للغاية، حتى وهي تعاني كوارث بيئية مدمرة واحدة تلو أخرى، وحتى مع استمرار الوباء في شل اقتصاداتها وتعريض سكانها للخطر.

    وهناك ثلاث طرائق رئيسة يمكن للبلدان الغنية - بل ينبغي - من خلالها أن تساهم في تعويض الضرر الذي أحدثته. أولاً، عليها أن تضخ المزيد من رأس المال في بنوك التنمية متعددة الأطراف (بما في ذلك بنك البلدان الأمريكية، وبنك التنمية الكاريبي، وبنك التنمية الآسيوي، وبنك التنمية الأفريقي).

    ومن خلال الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة في الأسواق العالمية، يمكن لبنوك التنمية متعددة الأطراف تحويل كل دولار إضافي من رأس المال المدفوع إلى 5 دولارات إضافية أو أكثر تُخصص لقروض جديدة تقدم للبلدان التي هي في أمس الحاجة إليها.

    ثانياً، يجب على الدول الغنية فرض ضرائب على شركات الوقود الأحفوري للمساعدة على تغطية التكاليف العالمية المتزايدة الناجمة عن إنتاج الوقود الأحفوري. إنَّ صناعة النفط والغاز تحتفظ بقيمة سوقية كبيرة، على الرغم من ضرورة تخلصها التدريجي من جزء كبير من منتجاتها الهيدروكربونية بحلول منتصف القرن.

    وبدلاً من دفع أرباح ضخمة لمساهميها، عليها فرض ضرائب على شركات النفط والغاز لزيادة الإيرادات حتى يتم تحويلها إلى الدول الجزرية الصغيرة النامية والدول الضعيفة الأخرى لتغطي تكاليف الأضرار المناخية والمرونة.ثالثاً، يتعين على الدول الغنية فرض ضرائب على طبقة أصحاب المليارات، وخاصة الآن بعد أن ارتفعت ثروتهم إلى نسب لا يمكن تصورها.

    فأثرياء العالم البالغ عددهم 2755 يحصلون على 13.1 تريليون دولار، بزيادة قدرها 5 تريليونات دولار تقريباً منذ بداية الوباء. وأظهرت الإقرارات الضريبية التي تمَّ تسريبها أخيراً، أنَّ الأثرياء في الولايات المتحدة غالباً ما يدفعون ضرائب منخفضة بصورة غير متناسبة مع غيرهم أو لا يدفعونها.

    إنَّ العالم يقترب من نقطة الانهيار؛ فالأغنياء يأخذون اللقاح ويُقصى الفقراء من ذلك؛ ينتجون انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ويدفع الفقراء ثمن ذلك. ويتمتَّع الأغنياء بمكاسب رأسمالية عالية؛ بينما يفقد الفقراء وظائفهم وسبل عيشهم. ولكن مصائرنا متشابكة في النهاية؛ فالأوبئة والأزمات البيئية العالمية لا تعترف بالحدود الوطنية. ولذا تتطلب المصالح المستقبلية للعالم الغني العدالة، وحسن السلوك، واستراتيجية مالية عالمية تعترف بالاحتياجات الملحة للدول والشعوب الضعيفة، وتعالجها.

    * أستاذ جامعي في جامعة كولومبيا، مدير مركز التنمية المستدامة بالجامعة نفسها، ورئيس شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة

    ** كبيرة الخبراء الاقتصاديين في شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة

    طباعة Email