العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    أمريكا وجولة العودة

    بدت أول جولة دولية يقوم بها الرئيس الأمريكي جو بايدن وكأنها نسمة من الهواء العليل. فمن حضور قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى في كورنوال، إلى لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف، قام بايدن بواجباته بحنكة سياسية ورباطة جأش ــ في تناقض صارخ مع حالة الفوضى والكذب التي اتسمت بها الزيارات الخارجية التي قام بها دونالد ترامب. بعثت رحلة بايدن برسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة أصبحت مرة أخرى في أيد أمينة، وهي اليد التي ستكون مبسوطة أولاً وقبل كل شيء لحلفائها التقليديين.

    لكن أهداف بايدن تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: فمن خلال حشد ديمقراطيات العالم في مواجهة الصين وغيرها من الأنظمة، يأمل بايدن في هندسة نوع من النهضة الديمقراطية العالمية. صحيح أن قدرته على تحقيق هذه الرؤية بعيدة عن كونها واضحة، لكنه لم يُـضِـع أي وقت في الانخراط في العمل.

    كان جيمي كارتر آخر رئيس أمريكي يختار أوروبا كمقصد لأولى رحلاته الخارجية. في عام 1977، بدأت جولة كارتر في المملكة المتحدة، حيث حضر قمة مجموعة السبع، ثم حملته إلى سويسرا، حيث التقى الرئيس السوري حافظ الأسد (حليف سوفييتي). الواقع أن أوجه الشبه مع رحلة بايدن واضحة بلا أي لبس.

    لكن العالم شهد أيضاً تغيرات عميقة منذ عام 1977. لنتأمل هنا حال المملكة المتحدة، عندما زارها كارتر. كانت آنذاك انضمت مؤخراً إلى المجموعات الأوروبية (التي سبقت الاتحاد الأوروبي اليوم) ــ وهي الخطوة التي أيدها الناخبون البريطانيون في وقت لاحق بأغلبية ساحقة. واليوم، تخلت المملكة المتحدة مؤخرا عن الاتحاد الأوروبي وهي غارقة في اضطرابات سياسية. من منظور بايدن، تطلب ذلك إعادة التأكيد على «العلاقة الخاصة» بين أمريكا والمملكة المتحدة، بما في ذلك التوقيع على ميثاق أطلسي جديد. لكنه تطلب أيضاً تذكيراً صريحاً لرئيس الوزراء بوريس جونسون بأن المملكة المتحدة يجب أن تحترم التزامها بالإبقاء على الحدود مفتوحة بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا (عضو في الاتحاد الأوروبي)، وبالتالي حماية اتفاقية الجمعة العظيمة. في عموم الأمر، إذا اضطر بايدن إلى الاختيار بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، فليس هناك من شك في أنه سيختار الاتحاد الأوروبي.

    كما تغيرت مجموعة السبع بشكل كبير منذ عهد كارتر. عندما اجتمعت بلدان مجموعة السبع (كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة) لأول مرة في سبعينيات القرن العشرين، كانت تمثل ما يقرب من 70 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بالقيمة الاسمية ــ وهي الحصة التي حافظت عليها حتى نهاية القرن. لكن في العقدين الأخيرين، تراجعت هذه الحصة إلى نحو 45 %.

    لا تغيب رمزية تأكيد حلف شمال الأطلسي بهذا القدر من القوة على الصين عن أحد ــ وخاصة الصينيين. من المؤكد أن العديد من التدابير العسكرية التقليدية وغير التقليدية التي تتخذها الصين يجب التصدي لها.

    لكن حلف شمال الأطلسي ليس الوسيلة الأفضل في كثير من الأحيان لأداء هذه المهمة. في عموم الأمر، تستحق جولة بايدن الأولى في الخارج علامات عالية في التخطيط والتنفيذ. فقد نجح بايدن في رسم خط واضح تحت الإدارة السابقة، وطمأنة حلفاء أمريكا الأوروبيين، وتقديم الولايات المتحدة على أنها «صاحب مصلحة مسؤول» داخل نظام متعدد الأطراف ــ وهو على وجه التحديد ما تحث الصين على أن تكون عليه منذ فترة طويلة.

    لكن الخلافات بين البلدان الديمقراطية لن تختفي بين عشية وضحاها، ولن يستعيد الغرب مكانته العالمية السابقة في أي وقت قريب. لقد عادت أمريكا، وهناك سبب للاحتفال. لكن سواء شئنا أو أبينا، ذهب العالم الأحادي القطبية بقيادة الولايات المتحدة ولن يعود أبداً.

    * الممثل الأعلى الأسبق للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، وأمين عام منظمة حلف شمال الأطلسي ووزير خارجية إسبانيا سابقاً. يشغل حالياً منصب رئيس EsadeGeo ــ مركز أبحاث الاقتصاد العالمي والدراسات الجيوسياسية. وهو زميل متميز لدى مؤسسة بروكنجز.

    طباعة Email