العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تساؤلات في زمن «كوفيد 19»

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    «هل يحميني أحمر الشفاه من مرض فيروس كورونا 2019 ؟».. يُـعَـد هذا السؤال واحداً من أكثر استعلامات البريد الإلكتروني التي تلقيناها من الجماهير إثارة للاهتمام منذ بدأنا تنسيق تطبيق التتبع الأكبر على مستوى العالم للبيانات المصنفة حسب الجنس حول الجائحة. الواقع أن السؤال يشير إلى حقيقة عالمية مهمة تتعلق بالصحة العامة.

    أنشأنا تطبيق التتبع في مارس 2020 لأننا تصورنا أن انتشار مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19) من غير المرجح أن يكون موزعاً بالتساوي في أي مجموعة سكانية. وقد تبين أن هذا التصور كان صحيحاً. تُـظـهِـر بياناتنا، على سبيل المثال، أن النساء أكثر ميلاً من الرجال لإجراء الاختبار (والحصول على التطعيم) لـ«كوفيد 19»، وأقل عرضة لدخول المستشفى، وأقل عرضة بدرجة واضحة للإصابة بعدوى شديدة تتطلب العلاج في العناية المركزة، وأقل عُـرضة بنحو 30% للوفاة نتيجة لهذا المرض.

    في عموم الأمر، سلطت الجائحة ضوءاً كان مطلوباً بشدة على انعدام التكافؤ في الصحة والرفاهة، وكشفت بوضوح العلاقة بين التفاوت بين الناس والمرض. أكدت الجائحة على المخاطر غير المتكافئة داخل المجتمعات ــ مع ارتفاع معدلات إصابة المجموعات السكانية المهمشة، وأولئك الذين عانوا من مظالم تاريخية ومعاصرة بعدوى «كوفيد 19» ــ والأعباء غير المتساوية بين المجتمعات.

    بينما ينصب تركيزنا على فهم الدور الذي يلعبه النوع الاجتماعي في معبد التفاوتات الصحية، يُـظـهِـر تطبيق التتبع أن نسبة الوفيات بين الذكور إلى الإناث نتيجة لـ«كوفيد 19» في البلدان المنخفضة الدخل تزيد على ضعف مثيلتها في البلدان المرتفعة الدخل. ومن الواضح أن أشكال التفاوت الاقتصادي وغيره لا يمكن تجاهلها، وهي تتفاعل غالباً مع أشكال التفاوت بين النوعين الاجتماعيين وتعززها.

    الواقع أن الانشغال بالتفاوت الاجتماعي والصحة ليس جديداً. في منتصف القرن التاسع عشر، وَصَـف فريدريك إنجلز كيف أدت ظروف المعيشة والعمل المروعة التي أحاطت بطبقة البروليتاريا الإنجليزية إلى «وفيات مفرطة، وسلسلة متواصلة من الأوبئة، والتدهور التدريجي الذي أصاب البنية المادية للسكان العاملين». وبعد بضعة عقود من الزمن، ساعد الطبيب وعالم الأمراض والسياسي الألماني رودلف فيرشو في تأسيس ميدان «الطب الاجتماعي»، الذي يعتبر الصحة والمرض نتاجاً للمجتمع ذاته.

    في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، اقترح وزير الصحة في شيلي (ورئيسها في المستقبل) سلفادور أليندي، وهو أحد مهندسي الطب الاجتماعي في أمريكا اللاتينية، إصلاحات سياسية واقتصادية تستهدف تحسين صحة جماهير الناس. دعا أليندي إلى إدخال تغييرات جوهرية على البنية الاجتماعية والبيئة بدلاً من التركيز على أمراض بعينها أو علاجاتها.

    يَـنتُـج عن الاستدلال بهذه العلاقة بين البيئات الاجتماعية والصحة شرحاً أكثر تفصيلاً للاختلافات بين الذكور والإناث في تطبيق التتبع الذي نستخدمه. في حين تلعب البيولوجيا دوراً واضحاً، فإن النوع الجنسي، الذي يشكل بنية اجتماعية، يُـفضي أيضاً إلى نتائج غير متكافئة عندما يتعلق الأمر بـ«كوفيد 19».

    النوع الاجتماعي جزء لا يتجزأ من البُـنى المؤسسية التي تحكم حياتنا، مثل الأسر، والأنظمة القانونية والاقتصادية، والأديان، والمؤسسات المالية، وأنظمة التعليم، ومحال العمل. ويجربه الناس ويطبقونه من خلال الممارسات اليومية التي تمثل ما يعنيه أن تكون رجلاً، أو امرأة، أو متحول جنسياً، أو شخصاً لا ينتمي إلى النوعين المعروفين في أي مجتمع بعينه.

    يقود النوع الاجتماعي توقعاتنا وفرصنا، ويحدد ما إذا كان من المقبول اجتماعياً من شخص ما أن يدخن، أو يتناول الكحول، أو يقود حافلة، أو يعمل في مصنع، بل وحتى ما إذا كان وضع أحمر شفاه يعتبر مخالفاً أو مقبولاً. وهو يؤثر أيضاً على نتائجنا الصحية.

    عندما يكون من المرجح أن تعمل المرأة في وظائف تنطوي على مواجهة الجمهور، مثل أعمال الرعاية، وتجارة التجزئة، والضيافة، فقد يكون خطر تعرضها لـ«كوفيد 19» أعلى ــ وخصوصاً إذا كانت معدات الوقاية الشخصية مصممة للرجال، فلا تناسبها تماماً بالتالي. من ناحية أخرى، كان «كوفيد 19» منتشراً على نطاق واسع بين العمال المهاجرين الذكور في العديد من السياقات. وهذا يعكس الظروف السيئة وغير الصحية التي يعيش فيها العديد من العمال الأجانب، وعلى نطاق أوسع، اعتماد الاقتصاد العالمي على علاقات القوة غير المتكافئة بين البلدان المرتفعة والمنخفضة الدخل وبين المواطنين وغير المواطنين.

    بعد التعرض لفيروس كورونا، من الممكن أن تؤثر العوامل المرتبطة بالنوع الاجتماعي على احتمالية تمكن الفرد من الوصول إلى الاختبار والرعاية. فإذا كانت الاختبارات تُـجرى في عيادات تفتح أبوابها لساعات عمل مقيدة، فقد تتضاءل فرص المنتمين إلى قوة العمل الرسمية المدفوعة الأجر، والتي تضم في العديد من البلدان عدداً من الرجال أكبر من عدد النساء، في الوصول إليها. على العكس من ذلك، ستكون فرص النساء اللاتي تخضع حرياتهن الاجتماعية لقيود خارج المنزل محدودة في الوصول إلى الخدمات الصحية.

    بمجرد دخولهم إلى المستشفى مصابين بـ«كوفيد 19»، يعاني الرجال من مرض أشد ويتعرضون لخطر الوفاة بدرجة أكبر. إلى جانب الاختلافات البيولوجية الأساسية، ربما يتسبب تعرض الرجال للبيئات الضارة بمعدلات أعلى في زيادة مخاطر إصابتهم بأمراض مزمنة، والتي بدورها قد تؤدي إلى نتائج سيئة مع الإصابة بعدوى «كوفيد 19».

    يدور تساؤل آخر حول السبب الذي يجعل فجوات الوفيات بين الذكور والإناث أعلى كثيراً في البلدان المنخفضة الدخل. يتركز أحد التفسيرات المحتملة حول معدلات تسجيل وفيات النساء المنخفضة إلى حد مروع في بعض البلدان.

    في المقام الأول من الأهمية، يتعين على صناع السياسات أن يدركوا أن صحة الأفراد الجيدة ورفاهتهم المحسنة عاملان على قدر عظيم من الأهمية في تحقيق الازدهار الاجتماعي. وهذا يعني مطالبة القادة في القطاعين العام والخاص، وقادة المجتمع المدني، بمعالجة العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تتسبب في جعل كثيرين مكشوفين للمخاطر ومستضعفين. يتعين علينا أن نحول تركيزنا من علاج المرض إلى إصلاح أكثر جذرية للبيئات والظروف بحيث يصبح الجميع قادرين على الحصول على فرص متكافئة لتحقيق الصحة الجيدة، والرفاهة، والكرامة.

    في حين قد يكون أحمر الشفاه انعكاساً غير ضار للمعايير الجنسانية في بعض المجتمعات، فإنه يرمز إلى محدد اجتماعي قوي وعميق الجذور وعالمي للصحة. لقد سلطت الجائحة الضوء على الحاجة إلى ضمان فهم الجميع لحقيقة مفادها أن المساواة الجنسانية منفعة عامة ــ ومن شأنها أن تساعد في تعزيز المجتمعات الأوفر صحة التي نسعى إلى ترسيخها.

    * أستاذة الصحة العامة العالمية في كلية لندن الجامعية، والمديرة المشاركة لمبادرة الصحة العالمية 50/‏‏50.

    ** مدير برنامج مجتمعات أوفر صحة في معهد جورج للصحة العالمية، والمدير المشارك لمبادرة الصحة العالمية 50/‏‏50.

    طباعة Email