00
إكسبو 2020 دبي اليوم

أمريكا اللاتينية والخطة التنموية الضرورية العاجلة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

من غير المرجح أن تتلاشى التوترات بين الولايات المتحدة والصين في أي وقت قريب، ولن تتمكن أمريكا اللاتينية من عزل نفسها تماماً عن التداعيات. ومع ذلك، من خلال تبني الدروس المستفادة من السنوات الثلاث الماضية، يمكن للحكومات والشركات فيها تحسين وضعها وتعزيز قدراتها التنافسية مع الوقوف بالوسط بين الجانبين، لتكون هذه فرصتها الحيوية التنموية، وطبعاً هذا سيكون مثالياً لتنظم نفسها بشكل أفضل للنجاح، خاصة في السنوات الثلاث المقبلة وما بعدها.

في حين كانت تحظى الصين ذات يوم بمكانة ثانوية في أمريكا اللاتينية، أصبحت اليوم واحدة من أهم الشركاء في المنطقة. فقد توسع حجم التجارة الثنائية من 12 مليار دولار في عام 2000 إلى أكثر من 300 مليار دولار في عام 2020، الأمر الذي أدى إلى رفع حصة الصين من مجموع التجارة في المنطقة من %1.7 إلى %14.4. كما أصبحت الصين على نحو متزايد مصدراً مهماً للاستثمار الأجنبي المباشر في أمريكا اللاتينية، إذ مثلت ما يقرب من %10 من التدفقات في السنوات الأخيرة.

لم يمر النفوذ الصيني المتزايد في النصف الغربي من الكرة الأرضية من دون أن تلاحظه الولايات المتحدة. وفي غياب إمكان إعادة ضبط العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، يستمر التنافس بين أكبر اقتصادين وأكبر بلدين تجاريين في العالم في التصاعد على الصعيد العالمي وفي أمريكا اللاتينية.

وعلى المدى القصير، يمكن أن يصبح تسييس إمكان الوصول إلى لقاحات كوفيد 19 أحدث مُحفز لتجدد التوترات الصينية الأمريكية. وعلى المدى المتوسط والطويل - ربما بحلول عام 2035 - يمكن أن تحل الصين محل الولايات المتحدة باعتبارها الشريك التجاري الأكبر في المنطقة. تُعد البلاد بالفعل أهم شريك تجاري للبرازيل وبيرو وتشيلي، إذ تتلقى ما بين 30 و%40 من صادرات هذه الدول.

وفي هذا السياق، يتلخص السؤال الرئيس بالنسبة لأمريكا اللاتينية في ما إذا كانت المنطقة قادرة على التكيف بنجاح مع الديناميكيات التنافسية المُستمرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، أو حتى الاستفادة منها. ولكن الإجابة تظل مُتباينة وغير واضحة في أحسن الأحوال، ويرجع ذلك جزئياً إلى الاختلافات الكبيرة بين مختلف أنحاء المنطقة.

يجب النظر في الحرب التجارية القائمة بين الولايات المتحدة والصين، والتي تصاعدت في شهر مارس/‏ آذار عام 2018 في ظل الجولة الأولى من فرض الرسوم الجمركية الانتقامية المُتبادلة. على الرغم من تحقيق مُصدري فول الصويا في البرازيل مكاسب ضخمة على مدى السنوات الثلاث الماضية من خلال استبدال الصادرات الأمريكية إلى الصين، إلا أن بلداناً وقطاعات أخرى في أمريكا اللاتينية لم تستفد بالضرورة من تحويل التجارة بالقدر نفسه. وحتى في البرازيل، تسود حالة من عدم اليقين بشأن الاستدامة طويلة الأجل لازدهار الصادرات التي أحدثتها الحرب التجارية.

علاوة على ذلك، تعرف العلاقات التجارية بين شمالي أمريكا اللاتينية (المكسيك وأمريكا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي) والصين اختلافاً ملحوظاً مقارنة بجنوبي المنطقة الذي يعتمد على السلع الأساسية. وفي حين استحوذت المكسيك سابقاً على فرص إعادة التوريد وتصدير السلع إلى الولايات المتحدة مع تحول بعض سلاسل التوريد خارج الصين، قضت جائحة فيروس كوفيد 19 على معظم تلك المكاسب، على الأقل بصورة مؤقتة.

قد تكون اقتصادات أمريكا اللاتينية أيضاً عُرضة للآثار غير المباشرة للحروب التجارية. وعلى المستوى الكلي، تعد المنطقة من بين أشد المناطق تضرراً من الجائحة من الناحيتين البشرية والاقتصادية. تمثل أمريكا اللاتينية 8٪ فقط من سكان العالم، ومع ذلك فهي تمثل باستمرار 30٪ من الوفيات المُرتبطة بفيروس كورونا المُستجد. قد يُشكل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين بشكل مُستمر ضغطاً نزولياً إضافياً على الانتعاش العالمي والإقليمي غير المؤكد بالفعل. وعلى الصعيد الجزئي، تسببت التعريفات الانتقامية والنزعة الحمائية المتزايدة الناجمة عن الحرب التجارية في إلحاق أضرار جانبية بشركات أمريكا اللاتينية.

ومع مواجهة أمريكا اللاتينية بيئة دولية قد تكون غير داعمة، يجب على صناع السياسات السعي إلى تحقيق ثلاث أولويات.

أولاً، يتعين على بلدان أمريكا اللاتينية أن تظل يقظة وأن تتعامل بحذر مع التوترات بين الولايات المتحدة والصين بشأن قضايا تتراوح بين التجارة والاستثمار وتكنولوجيا الجيل الخامس ولقاحات فيروس كوفيد 19. في الواقع، تُعاني المنطقة انقساماً شديداً، ولا سيما بين الشمال والجنوب، ولذلك، فإن القاعدة الأساسية الوحيدة للاختيار بين الولايات المتحدة والصين (والتي يعدها الكثيرون انقساماً زائفاً) يجب أن تتماشى مع الأهداف والاستراتيجيات الإنمائية الوطنية.

ثانياً، تحتاج أمريكا اللاتينية إلى تنويع صادراتها، بدءاً من المستوى القطري.

وأخيراً، يجب أن تستكشف المنطقة طرائق فعالة لتعزيز قدرتها التنافسية طويلة الأجل في مجال التصدير.

* وزير المالية السابق في تشيلي (2010-2014 و2018-2019)، وأستاذ الاقتصاد في الجامعة البابوية الكاثوليكية في شيلي وعضو في لجنة لانسيت المعنية بوباء كوفيد .

** المدير المساعد لمركز أدريان أرشت لأمريكا اللاتينية التابع للمجلس الأطلسي.

طباعة Email