العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    المسؤولية المجتمعية للبنوك المركزية

    صورة

    لا جدال في أن البنوك المركزية في عالمنا معنية بالإسهام جوهريا في ردع التحديات المناخية عبر مبادرات متقنة ومحكمة.

    في كل مكان تقريباً وحيثما ينظر المرء في أيامنا هذه ــ غرف الأخبار، وبيانات الشركات، والأجندات الحكومية ــ انتقل تغير المناخ من الهامش إلى مركز الصدارة. ومؤخراً، بدأت البنوك المركزية تضطلع بدور البطولة بعد أن ظلت على الهامش لفترة طويلة.

    على سبيل المثال، أصبح بنك إنجلترا للتو أول بنك مركزي يدرج ضمن مسؤولياته السياسية الإشارة إلى دعم الانتقال إلى اقتصاد حيث يكون صافي الانبعاثات الكربونية صِـفراً. ويناقش البنك المركزي الأوروبي كيفية ــ وليس فقط ضرورة ــ دمج الاعتبارات المناخية في سياسته النقدية.

    كما ضاعفت شبكة تخضير النظام المالي (مجموعة عالمية من البنوك المركزية والمشرفين الماليين) عدد أعضائها على مدار العامين الأخيرين. وتضم بنوكها المركزية البالغ عددها 62 كل بنوك مجموعة العشرين عدا أربعة.

    مثل هذا التحول السريع من المحتم أن يدعو إلى مناقشة جريئة، كما ينبغي له. لكن المنطلق العام للتغيير سليم. إذا كان في الأمر أي شيء، فهو الخطر الأكبر المتمثل في قيام البنوك المركزية بأقل القليل، وليس أكثر مما ينبغي، في ما يتصل بتغير المناخ.

    على مدار السنوات القليلة الأخيرة، نشأ إجماع بين قادة البنوك المركزية بشأن مخاطر المناخ التي تهدد الاستقرار المالي. تُـظـهِـر قاعدة بيانات بنك التسويات الدولية أنه في حين ألقى أربعة فقط من محافظي البنوك المركزية خطابات حول التمويل الأخضر في عام 2018، فإن ثلاثة عشر منهم ألقوا خطابات حول هذا الأمر بعد عامين فقط.

    والآن، قام ما يقرب من نصف أعضاء شبكة تخضير النظام المالي بتقييم مخاطر المناخ، وأجرى أكثر من عشرهم بالفعل اختبارات الإجهاد المناخي، وفقاً لبحث أجرته شركة بلاك روك.

    وقد حذت الأنشطة الاستثمارية التي تمارسها البنوك المركزية حذوهم كما ينبغي لها. والآن، ما يقرب من 60% من البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة تستثمر باستخدام معايير بيئية واجتماعية وإدارية عريضة، كما وافقت البنوك المركزية التابعة لنظام اليورو على اتخاذ موقف مشترك بشأن الاستثمارات المرتبطة بالمناخ في المحافظ الاستثمارية الرسمية غير النقدية.

    أخيرا، حتى السياسة النقدية ذاتها بدأت تتماشى مع القضايا المناخية. في العام الماضي، أعلن بنك السويد المركزي عن سياسة استبعاد جديدة في ما يرتبط بالمناخ. على نحو مماثل، من المتوقع أن يشير بنك إنجلترا في وقت لاحق من هذا العام إلى الكيفية التي قد تؤثر بها حيازاته من سندات الشركات على المناخ.

    ودعا العديد من صناع القرار في البنك المركزي الأوروبي إلى دمج مخاطر المناخ في قرارات شراء سندات الشركات وسياسة الضمانات. كما نشرت شبكة تخضير النظام المالي للتو إرشادات فنية بشأن «تكييف عمليات البنك المركزي مع عالم أكثر سخونة».

    يرجع هذا التحول إلى ثلاثة أسباب رئيسية، وجميعها مشروعة. أولاً، أعلنت نحو 130 حكومة حول العالم التزامها بتخفيضات كبيرة في الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون خلال العقود المقبلة. ورغم أن السياسات اللازمة لتحقيق هذه الغاية لم تتحدد بعد بشكل كامل، فإن افتراض حتمية حدوث التغيير لم يعد مجرد فعل إيماني.

    وعلى هذا فإن البنوك المركزية التي تدمج الاعتبارات المناخية في أنشطتها لم يعد من الممكن اتهامها بالتداول المسبق مع الحكومات. وحيثما يتضمن تفويض البنك المركزي دعم السياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدولة، فسوف يكون من المتعذر على نحو متزايد الدفاع عن حيادية السوق إذا تعارضت مع الالتزامات المناخية الرسمية.

    ثانياً، لم تكن الحجة لصالح دمج تغير المناخ في عملية إعداد نماذج الاقتصاد الكلي وقرارات الاستثمار قَـط أقوى مما هي عليه الآن. فقد أصبحت الظواهر الجوية القاسية أكثر تواتراً، وبات تأثيرها على النمو والتضخم أكثر وضوحاً.

    علاوة على ذلك، مع تبلور خطط السياسات، أصبحت حالة عدم اليقين حول سيناريوهات تأثير المناخ على مدار العقود المقبلة أقل صعوبة. كما تحسنت البيانات المتعلقة بالمناخ بشكل هائل نوعاً وكماً، وازداد بشكل كبير توافر أدوات واستراتيجيات الاستثمار الواعية مناخياً.

    وبالفعل، تشير سجلات أداء هذه الاستثمارات الناشئة إلى أنها قادرة على تعزيز مرونة المحافظ الاستثمارية دون التضحية بالعائدات. وعلى هذا فإن غالبية المستثمرين المؤسسيين على مستوى العالم الآن يعتبرون الاستدامة عنصراً أساسياً في استراتيجياتهم الاستثمارية.

    السبب الثالث وراء موقف البنوك المركزية الجديد هو الإدراك المتنامي لحقيقة مفادها أن الدعوة وحدها ليست كافية. فحتى يتسنى لها أن تزيد من تأثيرها، يتعين عليها أن تكون قدوة. وهذا يتطلب قدراً أعظم من الشفافية حول تعرضها للمخاطر المرتبطة بالمناخ وكيفية وضع النماذج لهذه المخاطر وتسعيرها. وسوف يعتمد تحسن الإفصاح بدوره على تلقي القدر الكافي من البيانات من الـمُـصدرين الذين تختار البنوك المركزية الاحتفاظ بأصولهم.

    وعلى هذا فمن المرجح أن تفرض البنوك المركزية قدراً كبيراً من التأثير على سرعة تسعير المخاطر المرتبطة بالمناخ في النظام المالي. ولا يخلو الأمر من مخاطر في التحرك ببطء شديد أو بسرعة أكبر مما ينبغي، ولذا فإن إنشاء مسار واضح إلى الأمام يُـعَـد ضرورة أساسية.

    مع ذلك، لا يزال تحول محافظي البنوك المركزية إلى جانب قضية المناخ في شبابه. وحتى الآن لم تنضم العديد من البنوك المركزية إلى شبكة تخضير النظام المالي، ناهيك عن دمج تغير المناخ بشكل حقيقي في أنشطتها. ولم تشارك الغالبية العظمى من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة في الأمر حتى الآن.

    على مستوى العالم، يُـعَـد بنك إنجلترا البنك المركزي الوحيد حتى الآن الذي نشر بياناً يتماشى مع التوصيات الأكثر دقة الصادرة عن فريق العمل المعني بالإفصاح المالي في ما يرتبط بالمناخ، وإن كانت البنوك المركزية في نظام اليورو تعهدت بالقيام بذلك في غضون عامين.

    من المفهوم أن تتبنى البنوك المركزية موقفاً متحفظاً إزاء توسع حجم المهمة، ورفع التوقعات التي لا يمكن تلبيتها إلا من خلال الاعتماد على الحكومات.

    مع ذلك، يجب أن يُـظـهِر عمل شبكة تخضير النظام المالي، والتدابير التي يتخذها أعضاؤه البارزون، للبنوك المركزية الأخرى أن تفويضها لا يقتصر على السماح بدمج تغير المناخ في أنشطتها بل يجعله شرطاً أساسياً أيضاً. وتظل تحديات عديدة باقية، وتتباين الظروف المحلية؛ لكن هذا ليس عذراً للتقاعس عن العمل. ومن الواضح أن استجابة البنوك المركزية لمخاطر تغير المناخ أمامها مجال متسع للنمو.

    إن البنوك المركزية عصب العملية الاقتصادية والتنموية، وهي أيضاً مسؤولة عن الإسهام وتحمل مسؤوليات مجتمعية متعددة، وبغير تحملها تلك الأعباء لا يمكن أن تحمي المجتمعات أنفسها او ان تضمن تعزيز قواها التنموية الاقتصادية.

     

     

    طباعة Email