الثورة المالية ضرورة لإنعاش اقتصاد أمريكا اللاتينية

صورة

خلاصة القول، ينبغي لقادة دول أمريكا اللاتينية والكاريبي على اختلاف أطيافهم الإيديولوجية تبنّي الثورة المالية كي يتمكنوا من محاربة الفقر وتعزيز سير عجلة التنمية. فمنطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي تحتاج إلى عملية إعادة ضبط شاملة وشاقة. إذ شكلت حالات الوفاة في المنطقة أكثر من ربع إجمالي الوفيات الناجمة عن مرض (كوفيد 19)، رغم أن نسبة عدد سكانه تقل عن عُشر سكان العالم.

وتواصل الجائحة تفشيها بلا هوادة تقريبا في البرازيل وباراجواي وشيلي والأرجنتين، وغيرها من البلدان. الأسوأ من ذلك تضرر اقتصاد هذا الإقليم بدرجة أكبر من أي منطقة أخرى، بسبب ضخامة قطاعاته غير الرسمية، وضعف أنظمته الصحية وقيوده المالية، ليتراجع هذا الاقتصاد بنسبة 7% العام الماضي – وهو أكبر انكماش يشهده منذ عام 1821.

رغم التوقعات بحدوث انتعاش متواضع في الأشهر المقبلة، ستحتاج منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي شهورا عديدة حتى تتمكن من استعادة الأسس الاقتصادية التي فقدتها في مواجهة الجائحة.

وإذا سار كل شيء على ما يرام – بمعنى السيطرة على الجائحة وتحسن أداء الاقتصاد العالمي – فمن الممكن أن يصل نمو المنطقة إلى 5.2% هذا العام. لكن إن لم تتحسن الأمور، فقد يقل معدل النمو عن 1% مع ركود محتمل في 2022. وسيتطلب تحاشي ذلك السيناريو إصلاحات مالية عامة جريئة وعاجلة.

لكن المشاكل الاقتصادية في أمريكا اللاتينية تسبق وقوع الجائحة بزمن طويل.

لا يجوز لحكومات المنطقة أن تكرر أخطاءها. فالأوضاع القائمة اليوم من انتشار أسواق الائتمان المفتوح، وتدني أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار السلع، وتنامي تدفقات التحويلات ليست مبرراً لإرجاء تغييرات ضرورية. فقد أسهب الاقتصاديون لسنوات عدة في الحديث عن الحاجة إلى إصلاحات لجذب الأعمال والاستثمارات، ولجعل أسواق العمل أكثر مرونة. ولا تزال هناك حاجة ماسة لمثل تلك الأمور.

إنني أتفهم - كوني واضع سياسات سابقاً - مدى صعوبة إنفاق رأس المال السياسي الضئيل على مصالح خاصة. لكن النجاح يعتمد في النهاية على تحديد أولويات القضايا بشكل صحيح. وفي حالة أمريكا اللاتينية، تعد السياسة المالية القضية الأهم، إذ ينبغي للقادة السياسيين أن ينظروا نظرة جادة ومتعمقة في كيفية فرضهم للضرائب على مواطنيهم وكيفية دعمهم.

لا شك أن الإدارة المالية مسألة خادعة، خاصة عند ارتفاع مستويات الدين ونشوء حاجة ماسة لتحفيز نمو عريض القاعدة يتجاوز الاقتصاد الرقمي المزدهر بالفعل.

أقولها ببساطة، تنفق المنطقة بشكل عام الأموال العامة بشكل يفتقر إلى الكفاءة الاقتصادية، كما تفرض ضرائب قليلة للغاية أو تفرضها بطرق غير فعالة، إذ لا يتجاوز إجمالي الإيرادات الضريبية في أمريكا اللاتينية والكاريبي 23% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، وهو ما يقل كثيراً عن المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية البالغ 34% من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن بينما تبلغ معدلات جمع الضرائب في البرازيل وباربادوس 33% من الناتج المحلي الإجمالي، تهبط النسبة إلى أدنى مستوياتها في جمهورية الدومينيكان وجواتيمالا لتصل إلى 13.5% و 13.1% من الناتج المحلي الإجمالي على التوالي. وبالتالي، فإن الإصلاحات التي تحتاجها البرازيل تختلف عن تلك التي تحتاجها جواتيمالا.

يمثل وجود اقتصاد غير رسمي ضخم أحد أسباب تدني الإيرادات الضريبية عبر دول المنطقة. لذا يمكن اللجوء إلى الحوافز الضريبية للحد من الطابع غير الرسمي للأنشطة الاقتصادية، لا سيما عند اقتران ذلك بإنفاذٍ وتطبيقٍ أكثر صرامة. فضلاً عن ذلك، ينبغي فرض ضرائب أكثر فعالية على الدخول، وانبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي (بما في ذلك الوقود)، والخدمات الرقمية، والثروة (بطرق تشمل مثلا رفع الضرائب العقارية).

أما عن جانب الإنفاق، فإن أمريكا اللاتينية قادرة على توفير حتى 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً بمواءمة إنفاقها بشكل أكبر مع أفضل الممارسات الدولية.

إن استطاعت المنطقة تقوية مؤسساتها المالية والتغلب على التصميم الأنظمة الضريبية السييء وتفشي التهرب من الضرائب، وتطويع الاستهلاك المالي بما يتماشى مع الاقتصادات المتقدمة، فقد تزيد الإيرادات الضريبية بمقدار 7% من الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن بوسع الدول إيجاد حيز الإنفاق الذي تتطلبه الضرورة الملحة لتخفيف حدة الفقر والحد من عدم المساواة. وتتوافر في الاستثمارات العامة المختارة بعناية في البنية التحتية ما يطلق عليه الاقتصاديون وصف الآثار المضاعفة العالية، بمعنى أن كل دولار مستَثمر يُدرّ دولارين في النمو الإضافي مستقبلا.

لا شك أن تحسين قدرة الحكومات على تنفيذ ميزانياتها عمل غير جذاب أو محبب. فلا فرص هنا لالتقاط صور قص الأشرطة والتباهي أمام الكاميرات. لكن إصلاحات قليلة من شأنها تحقيق المزيد لوضع دول أميركا اللاتينية والكاريبي على طريق يقودها لأداء اقتصادي أفضل واستثمارات أعلى – وهما ما يشكلان عنصراً رئيساً في تقوية سلاسل الإمداد بالإقليم بعد الجائحة.

رغم صعوبة تلك الإصلاحات، فهي ممكنة. فقد حسنت جامايكا أداءها المالي بشكل لافت للنظر منذ أن ضربتها أزمة ديون قبل عقد تقريبا، وهناك دول عدة تفكر جدياً في الإصلاحات. وسوف تُترجم تلك المساعي في المستقبل غير البعيد إلى مستوى أقل من الفقر وعدم المساواة، وقدرٍ أكبر من الاستقرار السياسي.

 

 

طباعة Email
#