التعافي والحذر من المشاريع العشوائية

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

هناك حقيقة مهمة في حياة الدول والمجتمعات لا خلاف على موثوقيتها وأهميتها، مفادها : عندما يكون التمويل الفيدرالي وفيراً، يكون هناك المزيد من فرص المحسوبية وإنفاق الاسترضاء على المشاريع ذات العائد المنخفض، المصمَمة لجعل السياسيين يبدون على ما يرام.

وعلى العموم، تقدم عمليات الإصلاح والصيانة عوائد أعلى من عمليات البناء من جديد، ولكن فقط هذه الأخيرة توفر فرصة التقاط صور أحداث قص الشريط في منطقة يقطن بها أحد القادة السياسيين مثلاً.

على الرغم من أن خطة البنية التحتية التي وضعها الرئيس الأمريكي، جو بايدن، والتي تبلغ تكلفتها 2.3 تريليون دولار أمريكي، ستكون أكبر بعدة مرات من مثيلاتها السابقة، إلا أنه فقط ما يناهز ثلثها سيلبي ما ينص عليه التعريف العام «للبنية التحتية».

وتضاف هذه الحزمة إلى مبلغ 5 تريليونات دولار تم إنفاقها بالفعل على الإغاثة والتحفيز في إطار الاستجابة لفيروس كورونا، منذ مارس الماضي، وقريبا ستكون هناك تعهدات بمزيد من الإنفاق على المدى القريب. أين سيَكمُن الخطأ؟

كثيراً ما تنص الحوكمة المسؤولة على أن تناقَش النفقات غير ذات الصلة بصورة منفصلة عن غيرها، وعلى أساس مزاياها الخاصة. وهناك بعض المقترحات التي أؤيدها شخصياً في خطة بايدن. ولكن نظراً لهيكل الإنفاق الفيدرالي الحالي، فإن من شأن هذا الأخير أن يُزاحم الإنفاق الحكومي الخاص والمحلي، مع احتمال كبير لتكَدُس المشاريع التي لا فائدة منها.

ويُعول السياسيون الذين يسعون إلى المزيد من الإنفاق والتنظيم، على القدرة المحدودة لعامة الناس على الخوض في تفاصيل مشاريع القوانين الشاملة. وعند القيام بذلك، فإنهم بالكاد يولون اهتماماً يذكر لقوانين تناقص العائدات، والعواقب غير المقصودة.

ولكن، يجب أن نتذكر أن الأزمة المالية لعام 2008 أعقبت فترة من الهندسة الاجتماعية التسلسلية من قبل الحكومة الفيدرالية (من خلال التفويضات المصرفية، وإعانات الرهن العقاري الثانوي، وغيرها من الإجراءات) اللازمة لتعزيز ملكية المنازل.

إن خطة بايدن مليئة بفرص المشاريع الحكومية الدعائية المخصَصة (جسور لا تقود إلى أي مكان)، ورفاهية شركات رأسمالية المحسوبية (الجيل القادم من سوليندراس).

وعلى غرار جميع البلدان، لدى الولايات المتحدة بالتأكيد احتياجات في مجال البنية التحتية.

ستغير خطة بايدن، بدورها، طريقة تمويل الإنفاق على البنية التحتية الفيدرالية بصورة جذرية، عن طريق الانتقال من نموذج رسوم المستخدم، الذي يوائم بدقة التكاليف مع أولئك الذين يستفيدون من زيادة ضرائب الشركات المناهضة للنمو.

والنتيجة هي أن الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات ستكسب أقل في الخارج، وهذا ما يراه الأمريكيون الذين يمتلكون الجزء الأكبر من أسهمها (إما بصورة مباشرة أو من خلال صناديق التقاعد). كما سيتعين عليها على الأرجح دفع رواتب أقل لعمالها الأمريكيين، وفرض أسعار أعلى على عملائها.

والأسوأ من ذلك، أن إدارة بايدن تريد أن تدفع ما يعادل ثماني سنوات من الإنفاق على «البنية التحتية»، وما يعادل 15 عاماً من الزيادات الضريبية. كما أن مشروع قانون إنفاقها لمبلغ 1.9 تريليون دولار الذي حظي بالموافقة مؤخراً، كان ممولاً بالعجز (وسيحصل نفس الشيء للكثير من مبادرات الإنفاق المقبلة).

وتدعي إدارة بايدن أن هذا الإنفاق سيحفز النمو إلى حد كبير، وسيعزز التوظيف والدخل.

ولكن هذه الحجة لا معنى لها. وقد صُممت مشاريع البنية التحتية العامة الضخمة بطريقة تمكنها من الاستمرار لعقود عديدة، الأمر الذي سيسبب مشاكل عندما ترتفع أسعار الفائدة على الدين الحكومي في نهاية المطاف. كما يتعافى الاقتصاد من الوباء بسرعة، ومن المتوقع أن يصل إلى إمكاناته الإنتاجية دون إنفاق إضافي.

وسيسمح الإطلاق السريع لحملة التلقيح بالعودة إلى الدراسة القائمة على الحضور الشخصي، وتناول الطعام، والتسوق، بالإضافة إلى السفر، مما سيقلل إلى حد كبير من البطالة في القطاعات الأكثر تضرراً من الوباء. لذا، خلُص تحليل حديث من نموذج ميزانية «بين وارتن» التي تحظى بالاحترام، أن تلك الخطط ستقلص الاقتصاد فعلياً على مر الزمن، بسبب الضرر الناجم عن الزيادات الضريبية.

وعندما يدرك السياسيون أن الإنفاق مجاني، فإن التحليلات الاحترافية للتكلفة والعائد، التي يتم إجراؤها داخل الوكالات الحكومية، غالباً ما تتعرض للتجاهل.

والآن، سارع بايدن إلى تسريع هذه النوبة الجنونية الخطيرة بمذكرة في غير محلها، تعمل على تحريف تحليل التكلفة والفائدة من خلال المطالبة «بحساب» العديد من العناصر غير القابلة للقياس، وغير الملموسة، والمثيرة للجدل سياسياً باعتبارها فوائد. ومن الناحية العملية يمكن لأي مشروع سياسي مفضل أن «يتأهل». فاستعد لترى مشاريع لا فائدة منها.

* أستاذ الاقتصاد بجامعة ستانفورد، وكبير الزملاء في معهد هوفر.

 

طباعة Email
#