سياسيو أوروبا.. دروس ومواقف

أصدرت محكمة فرنسية حُكماً في حق الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، حيث ثبتت إدانته بتهم الفساد واستغلال النفوذ، الأمر الذي يؤكد حقيقة سياسية قديمة..إذ يظل الفساد كارثة.

أرسلت محكمة باريس هذه الإشارة في وقت مثالي..إذ يستغل البعض أزمة الجائحة ليقدم مبررات لتصرفات خطرة مضرة بمصالح الشعوب، حيث يزعم كثير من المقصرين بالتصدي للوباء، أن جائحة فيروس كوفيد 19 ساهمت في تقويض الفصل بين السلطات في جميع الدول، كما أدت إلى انحراف التوازن نحو سلطة تنفيذية جشعة، مما يهدد الحرية باسم الأمن.

بالإضافة إلى ذلك، تكتسب النزعات الاستبدادية زخمًا قويًا في أوروبا الشرقية..وفي غيرها من الدول العالمية.

يُشير تواتر مثل هذه القضايا إلى نمط خطر في أوروبا والعالم، ينبه الهيئات إلى ضرورة التحسب والتصدي لأي استغلال من قبل السياسيين لنفوذهم لخدمة مصالحهم الشخصية أو مصالح أحزابهم.

في الواقع، لا يجب أن يشعر مواطنو الكثير من الدول التي تعاني حالياً مثل هنغاريا وبولندا، بضرورة التفاؤل والعمل على تخطي أي عقبات وصعوبات في التصدي لاستغلال ما، فعلى الشعوب فيها أن تتطلع إلى الأمام، بغض النظر عن مدى قوة الرياح المُعاكسة. إن مبادئ سيادة القانون والفصل بين السلطات، المنصوص عليها في جميع الدساتير لدى الكثير من الدول المتقدمة، تظل راسخة، حتى في الأوقات الصعبة حين يُعاني الشعب من الكوارث الاقتصادية والصحية التي تُعزز قبضة الدولة الداعمة.

في الواقع، أصبح الناخبون أكثر حساسية تجاه المُخالفات والجرائم المُرتكبة في المناصب العُليا. يمكننا أن نفترض بثقة أنه خلال الجمهورية الفرنسية الرابعة (1946-1958)، ناهيك عن الفترة الجمهورية الثالثة (1870-1940)، لم يكن رؤساء الحكومات السابقون ليُحكم عليهم بالسجن لمدة ثلاث سنوات. بل إن «الشفافية» و «المُساءلة» هما سمات المعركة الجديدة في الساحة الديمقراطية.

يتعين النظر إلى إيطاليا، المعروفة باسم أرض الأقوياء، الذين يُدافعون على أنفسهم ويُحققون التقدم. ومع ذلك، تم توجيه عشرات الاتهامات إلى سيلفيو بيرلسكوني الذي شغل منصب رئيس الوزراء لثلاث فترات. وأخيراً، في عام 2012، حُكم عليه بالسجن أربع سنوات بتهمة التهرب الضريبي. أن تأتي العقوبة متأخرة أفضل من ألا تأتي أبداً.

إن أعظم درس مُستفاد من دراما الجريمة والعقاب هذه هو انتصار حكم القانون، والذي يعود إلى الوثيقة الإنجليزية «ماغنا كارتا» أو الميثاق الأعظم لعام 1215. تتلخص بنودها البالغ عددها 63 في وصية واحدة: لا أحد فوق القانون.

إن هذه الحادثة تنطوي على درس مهم يجب أن يعيه جيداً صناع السياسات في أوروبا بالوقت الراهن، وجوهره ان أي استغلال للمنصب سيكون بوابة لملاحقة صاحب هذا الفعل طوال حياته. كما يدل هذا على أن من واجب أي من يتحمل مسؤوليات سياسية ومجتمعية، الحرص على عدم الخوض في أية مسارات او مسائل يمكن أن تقوده لطرق خطرة.

* زميل في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وعضو في مجلس تحرير مجلة دي تسايت، وأستاذ السياسة الدولية في كلية بول إتش نيتز للدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز.

طباعة Email