قراءات في محاكمة ترامب

إريك بوزنر - أستاذ في كلية الحقوق في جامعة شيكاغو

انتهت قبل أيام، محاكمة الرئيس السابق دونالد ترامب في مجلس الشيوخ الأمريكي، بلا إدانته، لكن هذه المحاكمة، بما تضمنته من أجواء وحيثيات، جديرة بأن نعيد قراءتها من جديد، فتلك الأجواء التي أحاطت بها، لم تخل من قدر كبير من الارتباك حول تساؤلات جوهرية في هذه المحاكمة. إذ زعم المحامون في فريق الدفاع عن ترامب أن مجلس الشيوخ ليس مخولاً بعقد أي محاكمات على الإطلاق.

وينص الدستور على أن «الرئيس يُعـزَل من منصبه على أساس توجيه الاتهام إليه، وإدانته، بارتكاب جريمة الخيانة العظمى، أو الرشوة، أو غير ذلك من الجرائم والمخالفات الكبرى». وزعم محامو ترامب أنه من غير الممكن عزله من منصب لم يعد يشغله.

لكن الدستور ينص أيضاً على أن «الحكم في قضايا العزل لا يمتد إلى ما هو أبعد من الإبعاد من المنصب، وانتزاع الأهلية لتولي أي منصب شرفي، أو مسؤولية، أو تحقيق الربح داخل الولايات المتحدة». ولاحظ القائمون على إجراءات العزل أن التجريد من الأهلية لا ينطبق إلا على شاغل منصب سابق.

السبب هو أن الإبعاد من المنصب يحدث تلقائياً بمجرد الإدانة من قِـبَـل مجلس الشيوخ، في حين أن التجريد من الأهلية يتطلب تصويتاً إضافياً على مصير شاغل المنصب السابق الآن. الواقع أن الشخص الذي يخضع لإجراءات العزل ويُـبعَـد من المنصب يصبح غير شاغل للمنصب، ومع ذلك يظل مجلس الشيوخ مخولاً لإجراء التصويت على تجريده من الأهلية.

ولأن مجلس النواب صوّت لبدء إجراءات عزل ترامب أثناء توليه منصب الرئاسة، فقد كان من غير الممكن أن ينشأ أي قدر معقول من الشك حول شرعية محاكمته أمام مجلس الشيوخ. هذا تفسير غير سوي للغة الدستور.

هل يُـعَـد «التحريض على التمرد» فعلاً فاضحاً بالقدر الكافي؟ من المؤسف أنه ليس كذلك في ظل الظروف السياسية الحالية. الواقع أن أفضل فهم لإجراءات العزل يتلخص في كونها عقوبة سياسية لن تُـفـرَض إلا إذا توفر الدعم السياسي الكافي لإبعاد رئيس، أو كما في حالتنا هذه تجريد رئيس سابق من أهليته لشغل أي منصب رسمي في المستقبل. في كل من اللغة العادية والمصطلحات القانونية، يعني التمرد انتفاضة ضد الحكومة.

في أقل تقدير، كان بعض أفراد من الغوغاء يأملون في قتل، أو اختطاف، أو ترهيب أعضاء الكونجرس ومنع الكونجرس (على نحو أو آخر) من التصديق على نتائج الانتخابات. كانت تتلخص الحجة هنا في أن ترامب لم يشعل شرارة مسيرة الغوغاء إلى مبنى الكونجرس وحسب، بل توقع أيضاً مثل هذه النتيجة وتسبب في إحداثها عامداً متعمداً.

ربما، ولكن القراءة الأفضل للأحداث هي أن سلوك ترامب جاء متوافقاً مع طبيعته. وفقاً لمعايير الرؤساء الأمريكيين السابقين وكل الساسة الأمريكيين تقريباً، كان ترامب متهوراً إلى حد غير عادي في الإصرار لمدة شهرين على أن الانتخابات سُرقت ثم في استخدام لغة تحريضية في مخاطبة الحشد الذي تجمع للاحتجاج على نتائج الانتخابات.

لكنه لم يطلب من الجمهور المحتشد بشكل مباشر الانخراط في أعمال عنف، ولا يوجد دليل يشير إلى أنه توقع أن يفعلوا ذلك.

علاوة على ذلك، لو كان ترامب مواطناً عادياً، فإن خطابه في الحشد كان ليخضع لحماية التعديل الأول للدستور الأمريكي. وحتى لو كان دعا إلى الثورة، فإن هذا لا يُـعَـد تصرفاً غير قانوني، ما دام لم يصدر توجيهاته إلى الحشد بالانخراط في أعمال عنف «جائرة».

الادعاء بأن ترامب حرَّض بالفعل على التمرد كان لا يخلو من مبالغة، وزعم أعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الذين يسعون إلى تبرير تبرئته أن أياً كان ما فعله فهو لم يكن تمرداً. السبب الحقيقي لتجريد ترامب من أهليته لشغل المناصب الرسمية هو أنه يشكل تهديداً حقيقياً للمؤسسات الأمريكية.

كان يجب أن يُقال هذا بوضوح، ثم يترك الأمر لمديري مجلس النواب لإقناع الجمهوريين في مجلس الشيوخ ــ والأهم من ذلك، المواطنين الذين قد يصوتون لصالحهم ــ بأن هذا الرجل لا ينبغي السماح له أبداً بالترشح لأي منصب رسمي مرة أخرى.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات