السياسة الخارجية الأمريكية.. إلى أين؟

قبل بضعة أسابيع فقط، تولى جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة. لكن العناصر المركزية التي يتألف منها نهجه في التعامل مع العالم باتت واضحة بالفعل: إعادة البناء في الداخل، والعمل مع الحلفاء، وتبني الدبلوماسية، والمشاركة في المؤسسات الدولية، والدعوة إلى الديمقراطية. كل هذا يضعه بشكل مباشر في صميم تقليد السياسة الخارجية الأمريكية الناجح إلى حد كبير بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تنصل منه سلفه دونالد ترامب.

في خطابه الأول حول السياسة الخارجية الذي ألقاه من وزارة الخارجية في الرابع من فبراير، أعلن بايدن أن «أمريكا عادت». وقد أكد أن وزير الخارجية توني بلينكين يتحدث بلسانه وأنه بذل جهوداً كبيرة لدعم الدبلوماسيين الأمريكيين والدبلوماسية الأمريكية.

أعلن بايدن أيضا أنه سيوقف أي انسحاب للقوات المسلحة الأمريكية من ألمانيا، كما أمر سلفه ترامب، وذلك على ما يبدو للمساعدة في استعادة ثقة أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في الضمانات الأمنية الأمريكية وإبلاغ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه لا ينبغي له أن يحاول اللجوء إلى المغامرات في الخارج لصرف الانتباه عن الاحتجاجات في الداخل.

من الواضح أن قدرة بايدن على النجاح في العالم ستكون محدودة بعدة عوامل، كثيرة منها موروث. لقد تضاءلت إلى حد كبير قدرة أمريكا على العمل كنصير فَـعّـال للديمقراطية في أعقاب تمرد السادس من يناير في مقر الكونغرس الأمريكي بمبنى «كابيتول»، وفي ضوء سياسة البلاد المستقطبة، والعنصرية المستوطنة، وعام كامل من عجز ترامب في التعامل مع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19).

النبأ السار هنا هو أن التقدم المحرز في التصدي للجائحة وتداعياتها الاقتصادية بات واضحاً بالفعل. أما النبأ السيئ فهو أن الانقسامات السياسية والاجتماعية في أمريكا ستستمر لفترة طويلة بكل تأكيد. الواقع أن بايدن مغرم بالتصريح بأن أمريكا ستقود بقوة القدوة، ولكن قد يمر وقت طويل قبل أن تصبح هذه القدوة مثاراً لإعجاب العالم مرة أخرى.

كما دعم بايدن الاهتمامات الإنسانية بالتعهد بفتح أبواب البلاد أمام عدد أكبر من اللاجئين. وقد يكون من المفيد أيضاً إتاحة عدد أكبر كثيراً من الجرعات من لقاحات كوفيد-19 لبلدان العالم النامي. لن يكون هذا لائقاً من الناحية الأخلاقية وحسب، بل سيصب أيضاً في مصلحة أمريكا الذاتية، لأنه كفيل بإبطاء ظهور طفرات الفيروس التي تهدد فعالية اللقاحات المتاحة. وهذا من شأنه أن يساعد أيضا في تعزيز التعافي في مختلف البلدان، مما يؤدي إلى تحسن اقتصادي واسع النطاق، وفي النهاية تراجع عدد اللاجئين.

على الرغم من أن بايدن انتقد روسيا والصين، فإنه لا يستطيع إجبارهما على ما يريد. وستواجه الولايات المتحدة صعوبة في تحقيق هدفها المتمثل في تنظيم العالم لمواجهة التحديات العالمية، من الأمراض المعدية وتغير المناخ إلى الانتشار النووي وإدارة الفضاء السيبراني (الإلكتروني). فلا يوجد إجماع، ولا وجود لما يسمى المجتمع الدولي، ولا تستطيع الولايات المتحدة إجبار الآخرين على التصرف على هواها أو النجاح بمفردها.

هناك أيضا تساؤلات حول ما يجب القيام به حيال الاتفاق الموقع عليه قبل عام مع طالبان ــ وهو ليس اتفاق سلام بقدر ما هو غطاء للانسحاب العسكري الأمريكي ــ وحيال نظام كوريا الشمالية الذي يواصل توسيع ترسانته النووية والصاروخية.

أياً كانت الهيئة التي ستتشكل عليها سياسة بايدن الخارجية، فمن الأهمية بمكان أن تكون ثنائية الحزبية وأن تحرص على إشراك الكونغرس كلما أمكن. يخشى حلفاء الولايات المتحدة على نحو مفهوم أن يعود الأمريكيون بعد أربع سنوات إلى مذهب ترامب، إن لم يكن ترامب ذاته. ويبدو أن الخوف من أن ترامب لم يكن مجرد انحراف أو شذوذ، بل كان انعكاساً لما أصبحت عليه الولايات المتحدة، يساهم في تقويض نفوذ الولايات المتحدة. ربما يكون إغراء الحكم من خلال الإجراءات التنفيذية مفهوماً، ولكن عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، يتعين على بايدن أن يحاول إحياء المبدأ القائل بأن السياسة الداخلية تتوقف عند الحدود الوطنية.

* رئيس مجلس العلاقات الخارجية ومؤلف كتاب «العالَـم: مقدمة موجزة».

طباعة Email