الحزب الجمهوري و«صقور الميزانية»

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

من الأولويات العديدة على رأس أجندة الرئيس الأميركي جو بايدن إعادة تنشيط الاقتصاد الذي بدا ــ وفقاً لأحدث أرقام التوظيف ــ متباطئاً مع بداية عام 2021. حتى لو انحسرت جائحة مرض فيروس «كورونا» المستجد (كوفيد 19) خلال العام، وارتفع الطلب الاستهلاكي المكبوت، فإن الولايات المتحدة تواجه تحديات مباشرة في مجالات مثل التعليم، والاستثمار في البنية الأساسية، والتمويل على مستوى الولايات والمحليات، خاصة مكافحة الجائحة ذاتها.

وعلى هذا فقد أعلن بايدن عن «خطة إنقاذ أمريكية» بقيمة 1.9 تريليون دولار. وهو علاوة على ذلك رجل نادر بين المرشحين الرئاسيين الناجحين في الولايات المتحدة في التصريح بأمانة خلال الحملة الانتخابية بأن إنفاقه سيواصل الاتجاه الأخير لعجز الميزانية القياسي، على الرغم من خططه الرامية أيضاً إلى زيادة الضرائب على الأثرياء. يوافق معظم أهل الاقتصاد على هذا التوسع المالي، في ضوء البطالة التي لا تزال مرتفعة في أمريكا.لكن مع رحيل دونالد ترامب من البيت الأبيض، يعيد العديد من الجمهوريين فجأة اكتشاف مخاطر عجز الميزانية، بعد أربع سنوات من عدم الاكتراث الواضح. كان هذا متوقعاً تماماً: فعلى مدار السنوات الخمس والأربعين الأخيرة، فعل الحزب الجمهوري ذات الشيء كلما تولى ديمقراطي الرئاسة، وفي تلك الحال فقط.

الواقع أننا نستطيع تحديد ثلاث دورات طويلة، خلال كل منها عَـكَـس الجمهوريون معارضتهم الشرسة للعجز بمجرد فوزهم بالرئاسة: في ثمانينيات القرن العشرين، وفي الفترة من 1990 إلى 2008، ثم خلال الفترة من 2009 إلى 2020.

في أواخر سبعينيات القرن العشرين، سمحت إدارة الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر بعجز ضخم في الموازنة، كما فعلت أغلب الإدارات التي سبقتها. وقد هاجم رونالد ريغان، منافس كارتر الجمهوري، العجز في حملته الانتخابية عام 1980 وخطاب تنصيبه اللاحق.

ولكن بمجرد أن أصبح ريغان رئيساً، أطلق هو والكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون برنامجاً مدته ثلاث سنوات من التخفيضات الضريبية الموسعة. وبدلاً من التعويض عن خسارة الإيرادات عن طريق تقليص الإنفاق، عمل الجمهوريون على زيادة الميزانية العسكرية. ونتيجة لهذا، بدأت الولايات المتحدة تدير عجزاً قياسياً غير مسبوق في الميزانية.

تسبب هذا العجز في مضاعفة الدين الوطني إلى ثلاثة أمثاله ليبلغ 3 تريليونات دولار بحلول موعد رحيل ريغان من البيت الأبيض في عام 1989. ولكن حتى بعد تعافي الاقتصاد الأمريكي بالكامل من الركود خلال الفترة من 1980 إلى 1982، بدا جورج بوش الأب، خليفة ريغان ــ الذي قَـبِـل ترشيح الحزب الجمهوري له لمنصب الرئاسة في عام 1988 بوعده الشهير «انتبهوا إلى ما أقول: لا ضرائب جديدة» ــ غير مهتم بعجز الميزانية. بلغ الدين الوطني 4 تريليونات دولار عندما ترك بوش منصبه في عام 1993، بعد فترة ولاية واحدة.

كانت الدورة الثانية بدأت بالفعل في عام 1990، عندما تخلى بوش عن تعهده السابق بشأن الضرائب في سبيل التوصل إلى اتفاق بشأن الميزانية مع الديمقراطيين في الكونغرس لمعالجة مشكلة العجز التي طال إرجاء التعامل معها. كانت هذه هي المرة الأخيرة التي حاول فيها رئيس جمهوري الالتزام بوصفة المحافظة المالية، ولم يغفر كثيرون من أعضاء الحزب الجمهوري لبوش قَـط ارتداده بشأن الضرائب.

لم يهاجم بل كلينتون، الديمقراطي، في حملته الانتخابية في عام 1992 عجز الموازنة، ولكن بمجرد توليه منصبه، جرى إقناعه بجعل المسؤولية المالية أولوية قصوى. ولكن في عام 1993، عارض الجمهوريون في الكونغرس بشكل موحد خطة كلينتون «الدفع أولاً بأول» ــ التي شكلت استمراراً لسياسة بوش بعد عام 1990 ــ التي كان من المفترض أن تحقق مساراً إلى خفض العجز. (بموجب نظام الدفع أولاً بأول، يتعين على كل من يرغب في خفض الضرائب أو زيادة الإنفاق أن يقترح سبيلاً آخر للتعويض عن ذلك في الميزانية).

ترك جورج دبليو بوش، نجل بوش الأب، بنود الدفع أولاً بأول لتنتهي صلاحياتها بعد أن أصبح رئيساً في عام 2001. وفي ذلك العام ثم مرة أخرى في عام 2003، اتبع بوش الابن كتاب قواعد ريغان من خلال استنان تخفيضات ضريبية كبرى.

بدأت الدورة الثالثة عندما تولى باراك أوباما المنصب في يناير من عام 2009. استحثت أزمة تمويل الإسكان حالة من الركود.

في حملة 2016 الرئاسية، هاجم ترامب عجز أوباما، وقال إنه يعتزم ضبط الموازنة «بسرعة» إذا انتُـخِـب، حتى أنه زعم أنه ادعى أنه قادر على إزالة الدين الوطني.

ولكن بمجرد وصوله إلى البيت الأبيض، اتبع ترامب مسار السياسة البالية التي انتهجها أسلافه الجمهوريون.

الآن، تبدأ الولايات المتحدة دورة رابعة. فنظراً لأسعار الفائدة الشديدة الانخفاض اليوم، تشير جميع الدلائل إلى استحسان الاقتراض الفيدرالي على نطاق واسع لتمويل الإنفاق على القضايا الجديرة بالاهتمام، بدءاً بهزيمة جائحة «كوفيد19» إلى الاستثمار في البنية الأساسية والتعليم. لكن بايدن يجب أن يتحرك بسرعة لضمان التعافي الاقتصادي في أمريكا، لأن الجمهوريين، إذا واصلوا نهجهم المعهود عندما يصبحون خارج السلطة، سيحاربون مقترحاته في ما يتصل بالإنفاق مع كل خطوة على الطريق.

* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات