الأسرار السبعة لسنة 2020

بيت من ورق ومجموعة من الأكاذيب التي قبلناها دون وعي، علماً أن هذا ما بدت عليه قناعاتنا خلال الأزمات العميقة، فكل تلك الأحداث هزتنا لدرجة الإقرار بمدى هشاشة افتراضاتنا، ولهذا السبب فإن هذه السنة تشبه مد البحر الذي يتراجع بسرعة، ما يجبرنا على مواجهة الحقائق المغمورة.

لقد كنا نعتقد ولأسباب منطقية أن العولمة قد أضعفت الحكومات الوطنية. ثم ضرب الوباء، وبين ليلة وضحاها أصبح للحكومات سلطات مهمة وباتت تفرض الكثير من الامور لمحاربة الوباء، حيث أغلقت الحدود، وأوقفت حركة الطائرات، وفرض حظر التجول الصارم على مدننا، وأغلقت مسارحنا ومتاحفنا وكذا ألغيت الكثير من الفعاليات . وتميزت جميع تلك الإجراءات بالصرامة وذلك في شتى بقاع العالم، لوقف انتشار الوباء. وهكذا تم الكشف عن السر الأول: الحكومات تحتفظ بسلطة كبيرة، حيث اكتشفنا في سنة 2020 أن الحكومات اختارت في السابق ألا تستخدم سلطاتها الضخمة، وذلك حتى يتسنى لأولئك الذين أصبحوا أثرياء بفضل العولمة أن يمارسوا سلطاتهم.

الحقيقة الثانية هي حقيقة اشتبه بها كثير من الناس ولكنهم كانوا يشعرون بالخجل الشديد من ذكرها، وهي أن شجرة المال حقيقية، فالجهات المسؤولة التي كانت تدعي دائماً، في الكثير من دول عالمنا، أنه لا يوجد لديها أموال كلما طُلب من الجهات المعنية الايفاء بالتزامات محددة لصالح أفراد المجتمع، دفع تكاليف مستشفى هنا أو مدرسة هناك، اكتشفت فجأة أن لديها الكثير من الأموال لتمويل إجازات مدفوعة للعمالة، وتأميم السكك الحديدية، والاستحواذ على شركات.

إن السر الاخر الذي كشفته سنة 2020 هو أن جبال الثروة الخاصة المركزة التي نلاحظها، وفي نسبة كبيرة من دول عالمنا، ليست لها علاقة تذكر بريادة الأعمال.

مع السرعة القياسية لتطوير واختبار لقاحات «كوفيد 19» والموافقة عليها واستخدامها، تم الكشف عن سر خامس وهو أن العلم يعتمد على مساعدات الدولة وفعاليتها لا تعكس مكانتها العامة. ولكنّ هناك سراً أشمل وأعم: بينما كانت 2020 سنة ناجحة للرأسماليين فإن الرأسمالية لم تعد موجودة، والسؤال كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ كيف يمكن للرأسماليين أن ينجحوا بينما تتطور الرأسمالية إلى شيء آخر؟

الجواب: بسهولة. إن أعظم أنصار الرأسمالية مثل آدم سميث أكدوا على تداعياتها غير المقصودة ولأن الأفراد الذين يسعون للربح ليس لديهم اهتمام على وجه التحديد بأي شخص آخر فإنه ينتهي بهم المطاف في خدمة المجتمع.

ليس من الصعب أن نرى أن الرأسماليين سوف يستفيدون بشكل أكبر بكثير بدون المنافسة، وهذا هو السر السادس الذي كشفته سنة 2020. لقد استفادت شركات المنصات الضخمة مثل أمازون بشكل كبير من زوال الرأسمالية واستبدالها بما يشبه الإقطاع التقني. لكن السر الأهم الذي كشفته هذه السنة يمثل العنصر الإيجابي وسط هذه الأزمة، فبينما تحقيق تغيير جذري ليس بالعمل السهل، فإن من الواضح الآن أن كل شيء يمكن أن يكون مختلفاً، فلم يعد هناك أي سبب يدعونا لقبول الأشياء كما كانت بالماضي، بل على العكس من ذلك فإن الحقيقة الأهم لسنة 2020 يمكن أن نراها في قول بيرتولت بريخت الذكي والراقي وهو: «نظراً لأن الأشياء على حالها، فإن الأشياء لن تظل على حالها». لا أستطيع التفكير في مصدر أكبر للأمل من هذا الإلهام، والذي جاء في عام يفضل معظم الناس نسيانه.

* وزير سابق للمالية في اليونان وهو زعيم حزب «ميرا25»، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا

opinion@albayan.ae

طباعة Email
تعليقات

تعليقات