كيف يمكن لبايدن خلق وظائف جيدة؟

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

بعد جائحة «كوفيد 19»، سيعاني الاقتصاد الأمريكي من سوق عمل ندوبه عميقة. فقد ألغيت أكثر من 20 مليون وظيفة خلال الأزمة، واستُرجع نصفها فقط. وليس من المستغرب أن يكون العمال المهمشون والأقل تعليماً هم الفئة الأشد تضرراً من إلغاء الوظائف.

ويؤدي هذا إلى تفاقم الاتجاه القائم. فقبل فترة طويلة من تفشي الوباء، كان سوق العمل الأمريكي يزداد استقطاباً؛ وكانت وظائف الطبقة الوسطى الجيدة في تقلص منذ عقود بسبب التشغيل الآلي، وتراجع التصنيع، والمنافسة العالمية، وظهور «اقتصاد العربة».

ولاستعادة عافية الاقتصاد والمجتمع والنظام السياسي في أمريكا، يجب على إدارة الرئيس المنتخب، جو بايدن، الإجابة عن سؤال مباشر: «من أين ستأتي الوظائف الجيدة؟».

إن الوظائف الجيدة تتطلب مهارات محددة لا يمكن خلقها إلا في الشركات المنتِجة. لذلك تحتاج مهمة خلق وظائف جيدة بنسب كبيرة معالجة جانبي العرض والطلب للمشكلة.

على مستوى العرض، يجب أن يكون العمال مجهزين بالمهارات المادية والناعمة التي تتطلبها الشركات المنتجة. وعلى مستوى الطلب، يجب أن تكون هناك شريحة كبيرة بما يكفي من الشركات الصغرى والمتوسطة الحجم المنتجة والقادرة على توسيع نطاق فرص العمالة.

إن العقود القليلة الماضية دليل على أن الأسواق وحدها لن تحل المشكلة. بل يجب أن تشارك الحكومات على جميع المستويات بصورة فعلية. والخبر السار هو أننا جمعنا أدلة كبيرة حول نوع البرامج التي تعمل بالفعل.

وفيما يتعلق ببناء المهارات، حققت ما يسمى «برامج التدريب القطاعية» نجاحاً خاصاً. إذ تتجاوز هذه البرامج التدريب التقليدي: فهي منسقة بإحكام مع أصحاب العمل، وتوفر مهارات تلبي احتياجات صناعات معينة، مثل الرعاية الصحية، أو تكنولوجيا المعلومات. ويتلقى العمال المسجلون في البرامج مجموعة متنوعة من الخدمات «الشاملة»، بما في ذلك رعاية الأطفال، والتوظيف، بالإضافة إلى التدريب والشهادات.

كذلك، لدينا خبرة كبيرة في جانب الطلب يمكننا الاسترشاد بها. إذ يمكن للحوافز الضريبية وإعانات الاستثمار المفتوحة أن تجذب الشركات إلى المناطق المتأخرة، لكن ليست لها فعالية كبيرة. فهي باهظة الثمن، وغالباً ما تهدر الموارد العامة على المشاريع التي كان يمكن تحقيقها على أي حال.

والحل الأفضل، كما أظهر تيم بارتيك من معهد أبجون، هو توفير خدمات مخصصة في مجال الأعمال أو في مجال البنية التحتية للشركات المحلية، مثل المشورة في الإدارة والتكنولوجيا، أو القوى العاملة الماهرة، أو تطوير الأراضي المحلية. ويمكن أن تساعد مساعدة من هذا النوع، والتي صممت خصيصاً لتلبية احتياجات شركات معينة، على زيادة إنتاجية هذه الأخيرة، وتوسيع قدرتها على العمل من خلال التغلب على القيود الخاصة التي تواجهها. وتتطلب هذه البرامج بناء علاقات بين الشركات المحلية والمستثمرين المحتملين الذين يفهمون احتياجاتهم، فضلاً عن القدرة على الاستجابة بسرعة وفعالية.

هذا كل ما يتعلق بالأخبار السارة. والنبأ السيئ هو أن هذه المبادرات الناجحة التي تركز على العمال والشركات تعمل حالياً على نطاق ضيق للغاية. إذ عادة ما يتولى إدارة برامج التدريب القطاعية مجموعات المجتمع، أو الوكالات غير الحكومية، ويحول التمويل المحدود، فضلاً عن عدم الاهتمام من الوكالات الحكومية والفيدرالية، دون أن تتوسع هذه المبادرات. ونتيجة لذلك، فإن عدد العمال الذين يتلقون خدماتها يصل إلى الآلاف بدلاً من الملايين، وهو العدد الذي يجب الوصول إليه.

كذلك، تعاني برامج خدمات الأعمال المخصصة من نقص شديد في التمويل. إذ حسب تقديرات بارتيك، تتلقى الشركات 47 مليار دولار سنوياً في شكل حوافز ضريبية حكومية واتحادية للاستثمار. وبالمقابل، يبلغ إجمالي الإنفاق السنوي على التدريب المخصص وخدمات الإرشاد التصنيعي، والتي تعد أكثر فاعلية من حيث خلق فرص العمل، حوالي مليار دولار فقط.

والمشكلة الثانية هي أن البرامج التي تركز على العمال والشركات غالباً ما تكون غير منسقة بصورة جيدة.

لقد صممت البرامج الفعّالة لخلق وظائف جيدة وفقاً لاحتياجات مجتمعات محددة، ويجب أن تكون مدفوعة بالقيادة المحلية. ولكن يمكن للحكومة الفيدرالية أيضاً أن تضطلع بدور رئيسي. إذ يمكنها أن تضمن دفعة هائلة في التمويل لمثل هذه البرامج، وتشجع الولايات والحكومات المحلية على الانخراط في المزيد من التجارب على غرار البرامج الناجحة في أماكن أخرى. ومن ثم، هناك فرصة كبيرة هنا لإدارة بايدن.

لقد وعد بايدن برفع الحد الأدنى الاتحادي للأجور، وتشجيع المزيد من النقابات. وإلى جانب هذه الإجراءات المهمة، تعتمد خططه بصورة كبيرة على الحوافز الضريبية. وبموجب مقترحاته، ستحصل الشركات التي تزيد من فرص العمل في الولايات المتحدة على ائتمانات ضريبية، بينما ستواجه الشركات التي تستثمر في الخارج، وتعزز الواردات عقوبات ضريبية. كما أنه يعتزم زيادة الإنفاق الفيدرالي على السلع المصنوعة محلياً وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير الحكومي.

ومن المتوقع أن تكلف خطط الحوافز الضريبية، والمشتريات، والابتكار هذه مئات عدة من مليارات الدولارات. إن الزيادة الكبيرة في البرامج التي يتم تطويرها وإدارتها محلياً لخلق وظائف جيدة قد تكون زهيدة بالمقارنة. ويجب على إدارة بايدن أن تذهب أبعد من ذلك، من خلال البناء على النجاحات التي حققتها مثل هذه البرامج، وجعلها حجر الزاوية في استراتيجيته لإعادة بناء أمريكا.

* أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي بكلية جون إف كينيدي للعلوم الحكومية في جامعة هارفارد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات