بايدن والمهام القيادية العالمية المنتظرة

صورة

كما تقول أغنية جوني ميتشل: «أنت لا تقدر قيمة ما لديك إلى أن يزول». على سبيل المثال، كان التعليم المدرسي كثيراً ما يُـعَـد في نظر الطلاب مملاً، وعتيقاً عفا عليه الزمن من منظور أصحاب الرؤى التكنولوجية. ثم أتت جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) التي جعلت من الصعب أو المستحيل أن يتلاقى الناس بشخوصهم. والآن نتوق إلى الحياة المدرسية داخل الفصل.

لعل الأمر ذاته ينطبق على التعاون الاقتصادي الدولي. كانت مؤسسات متعددة الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، وهيئات الأمم المتحدة، تفتقر إلى الشعبية لفترة طويلة بين قسم كبير من عامة الناس بسبب تعديها المزعوم على السيادة الوطنية. ثم جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي جعل التعاون الدولي أقرب إلى المستحيل.

ففي حين كان قادة مجموعة العشرين الآخرون يناقشون الاستعدادات للتصدي للجائحة في قمتهم التي اختتمت مؤخراً، لم يكن التعاون الاقتصادي الدولي في حد ذاته أحد أهداف حملة بايدن الانتخابية؛ فمرشحو الرئاسة الأمريكية لا يفعلون ذلك أبداً. لكنه تعهد بالتراجع الفوري عن قرارات ترامب القصيرة النظر بدرجة مذهلة، مثل سحب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية واتفاقية المناخ المبرمة في باريس عام 2015.

تُـعَـد الأمراض الوبائية مثل كوفيد 19 مثالاً كلاسيكياً على المؤثرات الخارجية الدولية التي لا تستطيع أي حكومة معالجتها أو التصدي لها على النحو المناسب بمفردها.

إن التعاون الدولي وسيلة أكثر فعالية بدرجة كبيرة لتقصي الفاشيات المرضية المحلية والتحذير من مخاطر عالمية؛ وتنسيق أبحاث اللقاحات أو العلاجات وتطويرها وإنتاجها وتوزيعها. صحيح أن منظمة الصحة العالمية ليست مثالية، ولكن من الواضح أن الحاجة ماسّة إليها الآن. وعلى نحو مماثل، يُـعَـد تغير المناخ العالمي مثالاً أصيلاً للمؤثرات العالمية الخارجية.

يتعين على بايدن وغيره من قادة العالم أن يعملوا أيضاً على التصدي لأعمق ركود عالمي منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وإلى جانب التدابير المتخذة لمعالجة الجائحة ذاتها، يجب أن تتفق الاقتصادات المتقدمة في المقام الأول على التحفيز المالي.

تشير التقديرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي مؤخراً إلى أن بلدان مجموع العشرين التي تتمتع بأكبر حيز مالي قادرة إذا زادت بشكل متزامن من إنفاقها على البنية الأساسية بنحو 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 ونحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في السنوات التالية - وإذا استثمرت بلدان المجموعة التي تملك حيزاً مالياً محدوداً ثلث هذا المقدار- على رفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بما يقرب من 2% بحلول عام 2025، مقارنة بدَفعة تقل قليلاً عن 1.2% في ظل نهج مالي غير متزامن.

الواقع أن العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية ستحتاج إلى إعادة هيكلة ديونها. حتى الآن، كانت استجابة المجتمع الدولي تتألف في الأغلب من مبادرة تعليق خدمة الديون التي أطلقتها مجموعة العشرين، والتي كان نطاقها محدوداً. فقد أرجأ هذا المخطط المشكلة بمجرد تأجيل (وليس خفض) التزامات خدمة الدين، ولم يشمل الديون الخاصة.

يتعين على أكبر اقتصادات العالم أن تسارع إلى قيادة وتنسيق هذه المسألة. في قمتهم التي انعقدت في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من نوفمبر، أقَـرَ قادة مجموعة العشرين بأن البلدان المؤهلة لمبادرة تعليق خدمة الديون تحتاج إلى أكثر من مجرد تخفيف أعباء الديون الرسمية الثنائية. لكنهم لم يحققوا إلا القليل من التقدم الملموس في هذا الصدد.

كانت الاستراتيجية الأمريكية الذكية لتقضي بالبقاء في الشراكة عبر المحيط الهادئ والإبقاء على احتمال انضمام الصين يوماً ما إذا اتبعت القواعد، التي كتبتها أمريكا في الأغلب.

ولكن ربما فات أوان ذلك الآن. فبينما كانت الولايات المتحدة نائمة، نظمت الصين كتلة تجارية خاصة بها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، تحت مسمى الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. وربما يكون خفض التعريفات المتبادل الصريح عند هذه المرحلة خياراً أكثر تبشيراً للولايات المتحدة من «التكامل العميق» الفوضوي الذي يصعب فرضه.

يغلب على التعيينات الرفيعة المستوى في إدارة بايدن المقبلة شخصيات ملتزمة من أنصار التعاون الدولي. ومن المفترض أن تسمح الولايات المتحدة لمنظمة التجارة العالمية بأداء وظيفتها مرة أخرى.

لكن اتفاقيات التجارة الدولية من غير المرجح أن تكون على رأس قائمة أولوياتها، وسيكون لزاماً على المخلصين الملتزمين بالنظام التجاري المفتوح القائم على القواعد إعادة معايرة وضبط طموحاتهم. علاوةً على ذلك، فَـقَـد بعض أصدقاء أمريكا وحلفائها بعض تحمسهم للسماح لها بقيادة الأوركسترا الدولية. لكنهم في أقل تقدير يسرهم أن تعود بوصفها لاعباً مهماً وبـنّـاءً في الفريق.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات