«أمريكا واحدة».. نحو ثقافة سياسية مغايرة

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

قد يكون التصويت لانتخاب الرئيس الأمريكي مقصوراً على مواطني الولايات المتحدة، لكن الاختيار يؤثر على الشعوب في كل مكان، فمن الناحية الإيجابية، تظل الولايات المتحدة دولة ديمقراطية قوية، إذ شهدت الانتخابات مشاركة مرتفعة من الناخبين، رغم القيود المادية المرتبطة بجائحة (كوفيد 19)، وسارت تطورات العملية الانتخابية كما يبدو بشكل نموذجي وفقاً لما هو مخطط لها، حيث هبط العنف إلى أدنى درجاته، بينما حققت المحاكم في قرارات بدت ذات دوافع سياسية اتخذتها هيئة البريد الأمريكية بعرقلة توصيل بطاقات الاقتراع المرسلة من مناطق يُتوقع تصويت غالبية ناخبيها للديمقراطيين. ولم يحظ إعلان ترامب فوزه مساء الثلاثاء الماضي بأي قدر يُـذكَر من الدعم أو الاهتمام، فيما لم يُصغ أحد - كما يبدو- إلى مطالباته بوقف الفرز (على الأقل في تلك الولايات التي يتقدم فيها)،

لكن المقلق حقاً هو استمرار الانقسام العميق بين جمهور الناخبين الأمريكيين، حيث انشطر الناخبون إلى فريقين متساويين تقريباً بين المرشحين الاثنين، ولن يكون مستغرباً أن يفضي هذا الانقسام إلى حكومة منقسمة، فلو استمرت الاتجاهات الحالية، ستمتد تلك الظاهرة الانقسامية بالحياة السياسية، إلى حاكمية الولايات ومجالسها التشريعية، التي تعد منقسمة بشكل متساو تقريباً بين الحزبين (حيث يتفوق الجمهوريون بهامش بسيط).

كان أداء ترامب في الاقتراع جيداً للغاية، إذ زاد عدد الأصوات التي حققها هذه المرة، عما حصل عليه في انتخابات عام 2016 بمقدار خمسة ملايين صوت، وهو ثاني أكبر عدد من الأصوات يحصل عليه مرشح رئاسي في تاريخ أمريكا، وأكثر من أي فائز آخر سابق، لكن ما يجعل هذا الأمر جديراً بالملاحظة أنه تزامن مع ارتفاع قياسي في حالات الإصابة اليومية الجديدة بفيروس (كوفيد 19) تجاوز 100 ألف حالة، ووفيات يومية جاوزت الألف، أي أنه في الوقت الذي أضحت تداعيات سوء معالجة إدارة ترامب للجائحة في أشد وأخطر صورها، يخرج نصف جمهور الناخبين تقريباً لدعمه.

ترامب الخاسر، سيظل له صوت قوي ومؤثر، لا سيما إن بقي تحت الأضواء وفي محط أنظار العامة (وهو ما يبدو مرجحاً أيضاً)، وحتى لو لم يترشح للانتخابات الرئاسية التالية في عام 2024، فمن المحتمل أن يكون له تأثير قوي في اختيار مرشح الحزب الجمهوري لتلك الانتخابات. وسيكون الحزب الجمهوري (الحزب القديم العظيم) بعيداً كل البعد في نهجه عن حزب الرئيسين جورج دبليو بوش أو رونالد ريغان، وستظل الترامبية- التي تمثل شعبوية أمريكية معاصرة - قوة جبارة.

لم يكن من المفاجئ أن يبذل ترامب قصارى جهده لتسميم الأجواء والطعن في شرعية نتائج الانتخابات وتوجيه اتهامات بالتزوير رغم عجزه عن تقديم أي أدلة. وسيرفض كثير من أنصاره القبول بشرعية رئاسة بايدن، بل ومن المستبعد أن يحضر مراسم اليمين الدستورية وتنصيب خَلَفه. وبصياغة أخرى لكلمات ويل روجرز، لم يصادف ترامب قاعدة إلا كسرها.

بشكل متزايد، صار الأمريكيون يعيشون في عالمين منفصلين، وصنفوا أنفسهم إلى مجتمعات ومناطق تبعاً لتشابه الآراء، وأصبح كل عالم يميل إلى متابعة وسائلة الإعلامية ومنصاته الرقمية الخاصة به من قنوات تلفزيونية، ومحطات إذاعية، ومدونات صوتية (بودكاست)، ومواقع على الإنترنت، وقد أدى غياب منهج للتربية المدنية إلى تغذية مثل هذا التصنيف عبر الأجيال.

ما يجدر التأكيد عليه هنا أن انقسام البلاد لا يرجع في معظمه لتباينات اقتصادية، فقد صوت الناخبون من جميع الطبقات لكلا المرشحين، ولم نلحظ انحياز أنماط التصويت لجانب واحد بناء على اعتبارات ديموغرافية أو تصنيفات النوع أو العرق، كما تنبأ كثيرون. أما مواضع الاختلاف فقد تعلقت في المقام الأول بأساليب معالجة القضايا.

تعد المستويات التعليمية مؤشراً واضحاً للتوجه السياسي، كالجغرافيا تماماً، حيث يغلب على الناخبين الجمهوريين العيش في الضواحي الخارجية والمناطق الريفية، بينما يميل معظم الناخبين الديمقراطيين للسكن في المناطق الحضرية، لكن قد يكون للثقافة تأثير أكبر من أي شيء آخر في السياسة الأمريكية. وللعلم، لا تبدو السياسة الخارجية مهمة بقدر كبير في الحملة الانتخابية، إلا في حشد دوائر انتخابية بعينها كالجاليات الكوبية والفنزويلية الكبيرة في جنوب فلوريدا.

إزاء تلك الخلفية، سيكون من الصعب بناء دعم لإحداث تغيير مؤثر في طريقة انتخاب الرؤساء أو عمل الحكومات.

هذا من شأنه أن يجعل إدارة الحكم صعبة. وستتوقف كثير من الأمور على حسابات زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل وقدرته واستعداده للعمل مع رئيس مثل بايدن. وقد يتطلب تعاونهما تنازلات من بايدن، وهو أمر سيقاومه بالتأكيد أعضاء حزبه الأكثر تعصّباً لعقيدة وأفكار الديمقراطيين.

ما كشفت عنه الانتخابات أن هناك دولة واحدة منقسمة بين أمتين. وسيكون عليهما التعايش معاً، أما إمكانية التعاون بينهما، فهذا ما سوف نراه.

* رئيس مجلس العلاقات الخارجية، ومؤلف كتاب العالم: مقدمة موجزة (مطبعة بنجوين 2020).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات