مآلات أزمة الديون في ظل تداعيات «كوفيد 19» المستمرة

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

في الوقت الذي تواجه فيه البلدان والشركات والأسر التداعيات الاقتصادية لوباء «كوفيد 19»، يدق العديد من مراقبي السوق ناقوس الخطر بشأن ارتفاع الضغط المالي في جميع أنحاء العالم. هناك سبب وجيه لهذا القلق: نظراً إلى تسارع وتيرة هذا الاتجاه لسنوات، من المتوقع أن تتضخم نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بين هذه المجموعات الثلاث من المقترضين بنسبة 14 ٪ هذا العام، لتصل إلى مستوى غير مسبوق يبلغ 265 ٪. ولكن في حين أدى هذا إلى زيادة مخاطر الإفلاس والتخلف عن سداد الديون، لاسيما بين الشركات، تعتقد وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية العالمية أن حدوث أزمة ديون على المدى القريب أمر غير مُرجح.

نظراً لارتفاع مستويات الروافع المالية وبيئة التشغيل الصعبة، فقد خفضت وكالة ستاندرد آند بورز التصنيف الائتماني لما يقرب من خُمس مُصدري الديون السيادية والشركات على مستوى العالم، وخاصة المقترضين المضاربين بالأسعار وأولئك الذين يعانون أكثر من غيرهم من الآثار الاقتصادية الناتجة عن وباء «كوفيد 19». بالنسبة للمقترضين من الشركات، من المرجح أن تزداد مخاطر الإفلاس إذا لم تعد التدفقات النقدية والأرباح إلى مستويات فترة ما قبل الوباء قبل سحب الحوافز المالية الاستثنائية.

من جهتنا، نعتقد أنه من المرجح أن يشهد العالم انتعاشًا اقتصادياً تدريجياً، وإن كان مُتقطعاً، على افتراض الحفاظ على ظروف التمويل التيسيرية، مع إدخال تعديلات على سلوك الإنفاق والاقتراض. بالإضافة إلى لقاح فيروس «كورونا» المتاح على نطاق واسع بحلول منتصف عام 2021، مع ضرورة تسوية الروافع المالية العالمية حوالي عام 2023، وتقليص الحوافز المالية من قبل الحكومات، وإصلاح الشركات ببطء لميزانياتها العمومية، وإنفاق الأسر بشكل أكثر تحفظًا.

لكن مستويات الديون المُطلقة ليست سوى جزء من الحل. والأهم من ذلك، يتعين علينا أيضًا النظر في قدرة المقترضين على السداد. اليوم، يعمل التحفيز المالي والنقدي غير المسبوق على إبقاء السيولة مفتوحة للشركات من خلال أسواق السندات والقروض المصرفية. تعتبر تكاليف الاقتراض مواتية للغاية، ومن المرجح أن تظل كذلك لفترة طويلة: نتوقع أن تظل أسعار الفائدة المرجعية منخفضة حتى عام 2023. وفي هذه الأثناء، أصبحت الفوارق الائتمانية أكثر إحكامًا من الذروة التي بلغتها في شهر مارس الماضي. في الوقت الحالي، فهي تُعد أكثر حساسية في التعامل مع المخاطر المرتبطة بالأعمال التجارية مقارنة بمخاطر السوق، خاصة بالنسبة للمقترضين الأقل جودة.

في غالب الأحوال، تهدف الديون المتزايدة إلى المساعدة في تهيئة الظروف للانتعاش الاقتصادي الذي يحسن قدرة المقترضين على السداد في المستقبل. وينطبق هذا بشكل خاص على الدول ذات السيادة، التي تهدف اتخذت التحفيز المالي للحد من التأثير الاقتصادي المُترتب على الوباء.

ستخرج جميع الدول ذات السيادة من هذا الوباء برصيد أكبر من الديون. من المرجح أن تتحمل معظم الاقتصادات المتقدمة النصيب الأكبر من الزيادات. ومع ذلك، فهي غنية إلى حد كبير في ظل أسواق مالية قوية ومرونة نقدية كبيرة، مما سمح لها بالحفاظ على جدارتها الائتمانية الشاملة حتى الآن.

نعتقد أن الحكومات ستعمل على عكس مسار العجز المالي مع انتعاش الاقتصادات، مما يؤدي إلى استقرار ديناميكيات الديون. حتى الآن، لم تخفض وكالة ستاندرد آند بورز تصنيفات أي دولة من دول مجموعة السبع. تُعد الدول التي تعتمد على المُضاربة أكثر عرضة للتخفيضات، وذلك نظرًا إلى ضعف مواردها المالية وقابليتها العالية للتعرض للصدمات. كانت معظم إجراءات التصنيفات السيادية السلبية خلال الأشهر القليلة الماضية ضمن هذه الفئة.

بالنسبة لجميع الدول، المهم هو كيفية استخدام الديون الجديدة خلال العام المقبل. إذا عملت على تمويل النشاط الإنتاجي، وتعزيز الدخل القومي، وزيادة العائدات الحكومية، فستكون في نهاية المطاف داعماً لاستدامة الديون ومستويات التصنيف الحالية. ولكن إذا استمر الانتعاش الاقتصادي لفترة أطول من المُتوقع، أو إذا عجزت الحكومات عن تعزيز النتائج المالية العامة نحو مستويات ما قبل الوباء، فسوف تعرف الضغوط السلبية على هذه التصنيفات زيادة ملحوظة.

أما بالنسبة للأعمال التجارية، فقد استخدمت العديد من الشركات الكبرى حتى الآن عائدات ديونها المكتسبة حديثًا لإضافة الأموال النقدية إلى ميزانياتها العمومية كاحتياطيات احترازية أو لإعادة تمويل التزاماتها الحالية. بشكل عام، تُشير تقديراتنا إلى أن الشركات غير المالية الاستثمارية في الولايات المتحدة قد احتفظت بنحو ثلاثة أرباع الأموال التي اقترضتها في النصف الأول من عام 2020 في ميزانياتها العمومية. في أوروبا، يتجاوز هذا الرقم 50 ٪.

ليس هذا هو الحال بالنسبة للشركات التي تقع في الطرف الأدنى من مقياس التصنيف أو الشركات الصغرى والمتوسطة الحجم، خاصة في الصناعات التي تأثرت بشكل مباشر إثر تنفيذ تدابير التباعد الاجتماعي والركود الناجم عن الوباء. من أجل الاستمرار، تعتمد هذه الشركات على الاقتراض لتغطية النقص في الدخل واحتياجات رأس المال العامل.

بالنسبة للأسر، فإن الزيادة في نسبة الديون كان سببها جزئيًا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي. غالبًا ما تتحمل الأسر المزيد من الديون بعد فترة وجيزة من مواجهة فقدان الدخل. ومع ذلك، سرعان ما تكيفت الأسر مع أنماط الإنفاق الأكثر تحفظًا في فترات الركود السابقة، الأمر الذي أدى إلى تباطؤ نمو الديون. بناءً على هذه التجارب، نتوقع أنه بعد إجراء بعض التحسينات الإضافية في العام المقبل، ستستقر نسبة ديون الأسر إلى الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم بنحو 66 ٪ بحلول نهاية عام 2023.

وبطبيعة الحال، سيؤثر شكل الانتعاش في مرحلة ما بعد الجائحة على مقدار وسرعة قدرة هذه المجموعات الثلاث من المقترضين على خفض الديون. في كثير من الحالات، سوف تخفض الديون نتيجة انتعاش الناتج المحلي الإجمالي، وليس نتيجة انخفاض الديون. يمكن للعديد من العوامل - بما في ذلك الموجات الإضافية لوباء «كوفيد 19»، أو اللقاح المتأخر، أو زيادة أسعار الفائدة، أو التوسع الهائل المستمر في الفوارق الائتمانية، أو استمرار نمو الديون، أو انتعاش مخيب للآمال في الطلب - أن تُحول الركود إلى ركود على شكل حرف W.

وحتى إذا استمر الانتعاش الاقتصادي كما هو مخطط له، فلا مفر من المعاناة الاقتصادية. تعمل بعض القطاعات بأقل بكثير من طاقتها، مما يجهد احتمالات بقاء الشركات، وبالتالي نتائج العمالة والائتمان. نتيجة لذلك، لا تزال التوقعات قصيرة الأجل مُقلقة، خاصة بالنسبة للمقترضين في الطرف الأدنى من مقياس الائتمان أو في الصناعات المُعرضة للانهيار. ومع ذلك، يمكننا أن نشعر ببعض الراحة من التحليل القائل بأن احتمال حدوث أزمة ديون واسعة النطاق قد لا يكون وشيكاً كما يخشى الكثيرون.

* زميل أبحاث أول في أبحاث الائتمان لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية العالمية.

** الرئيسة العالمية للبحوث في وكالة ستاندرد آند بورز للتصنيفات الائتمانية العالمية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات