الأزمات والكوارث في مقاييس تجربتين

على عكس تنافس القوى العظمى القديم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، فإن الحرب الباردة الوليدة بين الصين والولايات المتحدة لا تعكس صراعاً جوهرياً بين أيديولوجيات متعارضة بصورة حتمية. وبدلاً من ذلك، تُظهر الصورة الشعبية التنافس الصيني الأمريكي اليوم على أنه معركة ملحمية بين مفاهيم وأساليب حياتية وسياسية متنوعة. وياتي ذلك في حين أننا نرى أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب تخبطت بصورة كارثية خلال جائحة كوفيد 19، بينما نجحت الصين في السيطرة على فيروس كورونا. وفي الولايات المتحدة، حتى ارتداء أقنعة الوجه تم تسييسه. ولكن في ووهان الصينية – البؤرة الأصلية لتفشي الوباء- أخضعت السلطات سكان المدينة البالغ عددهم 11 مليوناً لاختبارات الفيروس في غضون عشرة أيام، في مشهد مذهل للقدرة والنظام. وبالنسبة للكثيرين، يبدو الحكم واضحاً: النهج الصيني كان أكثر فاعلية من الأمريكي في التعاطي مع الجائحة.

ولكن مثل هذا الاستنتاج تبسيطي ومضلل بصورة خطيرة، ولكن هذا يجب أن لا يدعونا للتعميم فلقد تعاملت مجتمعات أخرى، على غرار كوريا الجنوبية ونيوزيلندا، مع الوباء ببراعة، ولم تعِق أية نقاط قدرة حكوماتها على تنفيذ تدابير احتواء الفيروس.

ثانياً، لا تعكس مشاكل أمريكا الحالية إخفاقاً عالمياً للنهج الذي تتبناه، بل تعكس إخفاق صيغة محددة وعدم القدرة على التعاطي بحرفية في موقف مهم.

إن الدرس المستفاد من الاضطرابات الأمريكية اليوم هو أنه حتى الديمقراطية الناضجة يجب الحفاظ عليها باستمرار حتى تكون ناجعة. وليس هناك «نهاية للتاريخ». أما بالنسبة للصين، ندرك أنه يمكن البناء على المنجز وتطوير الكثير من النظم المجتمعية والنهوج الحياتية.

وجدير بنا هنا أن نلاحظ أنه تُفضي حملات السياسة الصينية إلى نتائج مبهرة لأنها يجب أن تفعل ذلك. فقد انتشلت حملة شي لمكافحة الفقر 93 مليوناً من سكان الريف من الفقر في سبع سنوات، وهو إنجاز لا يمكن لوكالات التنمية العالمية إلا أن تحلم بتحقيقه. واعتمدت السلطات الصينية أيضاً نظام الحملات أثناء تفشي كوفيد 19، وحشدت جميع الموظفين والموارد لاحتواء الفيروس. وتدعم هذه النتائج الادعاء الذي يروج له الإعلام الصيني الرسمي بأن القوة المركزية «تركز قوتنا على إنجاز أشياء عظيمة».

لا شك أن كل إدارة تملك فلسفة وسياسة تعاط محددة مع الكوارث، وهي إما تكون قائمة على ركائز سليمة او بها بعض الشوائب، ولكن العبرة تبقى ليس فقط في النتائج، بل أيضاً بما ترتب على إجراءات العمل وما أفرزه من ناتج وكوارث..أو من إيجابيات وقيم. لا شك أن الصين قدمت مثالاً مهماً في السيطرة على الوباء..ولكن الولايات المتحدة بنهجها لم تكن سبباً للكارثة، بل إن الأمر أنه تبين وجود ثغرات في تعاطيها مع الكوارث والأزمات، لا بد لها من تخطيها.

* أستاذة العلوم السياسية بجامعة ميتشيغان، آن أربور، ومؤلفة كتاب «How China Escaped the poverty Trap and China’s Gilded Age».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات