العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    هل كان ماركس محقاً؟

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    في سانتياجو عاصمة شيلي، تحمل لوحة جدارية ضخمة عند مَـخرج طريق سريع جديد قامت ببنائه شركة خاصة العبارة التالية: «ماركس كان على حق!».

    الواقع أن التطور الرأسمالي يعمل على توليد تناقضاته الخاصة، كما تشهد هذه العبارة ذاتها.

    كانت الأشهر الأخيرة ربيع ــ وشتاء ــ السُخط في شيلي: مسيرات واحتجاجات سلمية، لكنها كانت مصحوبة أيضاً بكثير من أعمال النهب والعنف.

    تماماً كما كانت الحال في هونج كونج، وفي كولومبيا وكوستاريكا، وفي الإكوادور وبيرو، وفي العراق ولبنان، وفي السودان وزيمبابوي.

    وعلى الرغم من تنوع هذه البلدان، وتعدد الأحداث المحلية التي أشعلت شرارة الاضطرابات، فقد استقر الخبراء ووسائل الإعلام على سرد مريح: «كان عام 2019 عاماً من الاضطرابات العالمية التي حفزها الغضب إزاء فجوات التفاوت المتزايدة الاتساع ــ ومن المرجح أن يكون عام 2020 أسوأ»، هكذا أكَّد بكل ثقة موقع التعليق المسمى The Conversation.

    وتضيف صحيفة الجارديان: «ليست كل الاحتجاجات مدفوعة بشكاوى اقتصادية، بل إن الفجوات المتزايدة الاتساع بين من يملكون ومن لا يملكون تدفع العديد من الشباب على وجه الخصوص إلى التطرف».

    لكن التفاوت بين الناس ليس جديداً على العديد من هذه البلدان.

    والظروف الاقتصادية ليست بأي حال من الأحوال رهيبة بذات القدر الذي كانت عليه قبل عشر سنوات، أثناء الأزمة المالية العالمية. لماذا يخرج الناس إلى الشوارع الآن إذن؟ يزداد اللغز تعقيداً عندما نلاحظ أن التفاوت بين الناس في أمريكا اللاتينية كان في انخفاض سريع خلال ذات الأعوام التي شهدت ارتفاعه بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

    وفقاً للبنك الدولي، انخفض مُـعامِل جيني (مؤشر توزيع الدخل، حيث يمثل الصِفر المساواة الكاملة ويمثل الرقم 100 التفاوت المطلق) في كل بلدان أمريكا اللاتينية التي تندلع فيها الاحتجاجات الآن ــ بما في ذلك الانخفاض الكبير بنحو ثماني نقاط أو أكثر في بوليفيا والإكوادور.

    هنا يقدم التركيز الماركسي على التقدم وما يترتب عليه من تناقضات المساعدة التي نحتاج إليها بشدة.

    أعرب كارل ماركس وفريدريك إنجلز عن انبهارهما إزاء قدرة الرأسمالية الثابتة على «إحداث تغييرات ثورية في الإنتاج»، لكنهما لاحظا أن هذا يعني «إرباكاً لا ينقطع لكل الظروف الاجتماعية، وانعدام اليقين والفتنة على نحو دائم».

    لنتأمل هنا مسألة التعليم العالي. في العديد من الاقتصادات الناشئة ــ وبينها البرازيل وشيلي والإكوادور، ارتفع مستوى الالتحاق بالجامعات في العقود الأخيرة.

    ومع نمو المعروض من العمالة الماهرة بسرعة أكبر من نمو الطلب، ضاقت الفجوة بين دخل المتعلمين جامعياً وبقية العاملين. ونتيجة لهذا، انخفضت مقاييس مختلفة للتفاوت في الدخل.

    المزيد من التعليم والمهارات المرتفعة، وانخفاض مستويات التفاوت ــ ما الذي لا يستحق الإعجاب في كل هذا؟

    ليس الكثير، ما لم تكن تنتمي إلى الجيل الذي علق في المرحلة الانتقالية.

    الواقع أن الشباب الذين التحقوا بالجامعات في ربع القرن الأخير ــ الذين ذهبوا غالباً إلى مؤسسات لم تكن معاييرها مماثلة لمعايير رابطة جامعات Ivy League، لكنها تقاضت منهم رسوماً مرتفعة رغم ذلك ــ انتهت بهم الحال إلى الحصول على دخل أقل مما توقعوا.

    وكانت النتيجة ظهور جيل من الشباب المتعلمين المثقلين بالديون، والغاضبين غالباً.

    أو لننظر في مسألة تراكم رأس المال. إن تعريف الدولة الفقيرة يعبر عن كيان، حيث رأس المال الإنتاجي نادر وحيث يعني ضعف أسواق الائتمان عدم إمكانية اقتراض رأس المال لتنمية الأعمال التجارية. وعلى هذا فإن سياسة التنمية المثلى تستلزم الإبقاء على الأجور والضرائب منخفضة في مرحلة مبكرة، حتى يتسنى للشركات استخدام أرباحها لدعم الاستثمار والنمو.

    وكما أوضح الخبيران الاقتصاديان أوليج إيتسخوكي وبنيامين مول من جامعة برينستون مؤخراً، فإن هذا يصدق حتى عندما لا يهتم صناع السياسات إلا برفاهة العمال، الذين سيستفيدون من الإنتاجية الأقوى والأجور الأعلى مع تراكم رأس المال.

    لكن المنتمين إلى فئة أصحاب الدخول العالية والثروات الكبيرة، لا يحصلون على رحلة مجانية إلى الأبد. ففي نهاية المطاف، كما يزعم إيستخوكي ومول، تتفوق إعادة التوزيع على التراكم. ولذا يجب أن يتعلم هؤلاء كيف يعيشون بدخل أقل وعبء ضريبي أعلى ــ إلا إذا اختاروا استخدام قوتهم السياسية لمحاربة هذا التغيير.

    وهكذا كانت الحال مع العديد من الاقتصادات الناشئة. وخلاصة القول: ينبغي للاقتصادات الناشئة الناجحة أن تتبنى سياسات محكمة في مكافحة الاحتكار إذا كانت راغبة في البقاء ناجحة.

    وفعلت ذلك بلدان كثيرة، بما في ذلك المكسيك وشيلي. ولكن هنا تكمن المشكلة: فالمعايير الجديدة الأكثر صرامة ستكشف عن فضائح تواطؤ لا تنتهي، والتي ستحتل العناوين الرئيسية.. وقد يكون ثمن النجاح في مكافحة الاحتكار المزيد من التخبطات.

    لم يَـدّع ماركس وإنجلز أن التطور الرأسمالي يولد التناقضات ذاتياً فحسب. فقد خلصا أيضاً إلى أن هذه التناقضات لا يمكن التغلب عليها إلا من خلال «الإطاحة بالقوة بكل الظروف الاجتماعية القائمة».

    * مرشح سابق لرئاسة شيلي ووزير ماليتها الأسبق، وهو عميد كلية السياسة العامة في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.

    * أستاذ الاقتصاد في جامعة أدولفو إيبانيز، ووزير الاقتصاد في شيلي سابقاً.

    طباعة Email