00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الجانب المشرق من الارتباك الرقمي.. تمكين الإبداع وتعزيز الإنتاجية

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

كثيراً ما يُـفرَط في الثناء على التكنولوجيا إما على أنها ترياق لكل مشكلات العالَم أو لعنة لا يمكن التخلص منها تفرض الخلل والانقطاع والنزوح على الفئات الأكثر ضعفاً. ولكن تاريخياً لم يكن أي من هذه التوصيفات دقيقاً. فمن المحرك البخاري إلى الكمبيوتر الشخصي، عملت الاختراعات الجديدة على تحويل المجتمعات بطرق معقدة. ولكن في عموم الأمر، كانت التكنولوجيا تخلق دوماً قدراً من الوظائف والفرص الاقتصادية أكبر من ذلك الذي تدمره. ومن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه.

لماذا أنا متفائل إلى هذا الحد؟ لأنني حيثما نظرت أرى القادة يعيدون تنظيم اقتصاداتهم لضمان عمل التغير التكنولوجي والأتمتة كأصول وليس كخصوم. وكما لاحظت مؤخراً «لجنة مسارات إلى الرخاء»، التي تتخذ من جامعة أكسفورد مقراً لها، فمن خلال «التفاؤل والعمل الجماعي»، يعمل ما يسمى أقصى حدود التكنولوجيا على تمكين حتى أكثر البلدان فقراً.

على مدار قسم كبير من التاريخ الحديث، كان المراقبون ينظرون إلى التصنيع المدفوع بالرغبة في التصدير وثروات الموارد الطبيعية على أنها الآليات الوحيدة الكفيلة بتحقيق النمو المستدام في العالَم النامي. لكن اليوم، حصل الناس بفضل التكنولوجيات الجديدة والقدرة على الجمع بينها والإبداعات القديمة على صوت أعلى في إدارة ثرواتهم الاقتصادية.

على سبيل المثال، قامت خدمة معلومات التربة في أفريقيا، التي تمولها مؤسسة «بِل وميليندا غيتس»، بالجمع بين برامج الاستشعار عن بُعد وبيانات مفتوحة المصدر لخفض تكلفة رسم خرائط التربة بنحو 97%. وبفضل هذه الخدمة حصل مزارعو الحيازات الصغيرة في أفريقيا على أدوات جديدة لاتخاذ قرارات تستند إلى الأدلة بشأن عملياتهم، وبالتالي زيادة غلة المحاصيل وخفض نفقات التشغيل.

على نحو مماثل، تستخدم شركة «تويجا فوودز»، في كينيا التكنولوجيا لتحسين سلسلة العرض الخاصة بها من خلال المطابقة بين مزارعي الفاكهة والخضراوات الريفيين وشركات البيع الصغيرة والمتوسطة الحجم في نيروبي. وقد ساعد نهج شركة تويجا المزارعين على الوصول إلى أسواق أكثر ربحية، وزيادة الاختيارات المتاحة للمستهلكين، والحد من خسائر ما بعد الحصاد والنفايات بشكل كبير. ومن الممكن أن يعمل الدمج الرقمي كقوة لا يستهان بها، وخاصة بالنسبة للنساء. فقد نجحت «غو جيك»: Go-Jek، وهي خدمة لمشاركة وسائل النقل وتسليم الأطعمة في إندونيسيا، في زيادة دخل السائقين بنحو 44% في المتوسط، في حين تعمل على الربط بين العديد من مورديها (من النساء عادة) والخدمات المصرفية للمرة الأولى.

من المؤكد أن الاستفادة من الإمكانات التحويلية التي تتمتع بها التكنولوجيا، تتطلب استثمار المزيد من الأموال في البشر، وخاصة النساء والأطفال. وكما زعمنا في تقرير حراس الأهداف الصادر عن مؤسسة جيتس هذا العام، فإن الرعاية الصحية والتعليم الأفضل ــ وهما ركيزتان لمؤشر رأس المال البشري التابع للبنك الدولي ــ يمكنهما إطلاق العنان للإنتاجية والإبداع، والحد من الفقر، وتوليد الرخاء. وهي مكاسب أساسية لتمكين البلدان من تحقيق الأهداف التي حددتها الأمم المتحدة تحت مسمى أهداف التنمية المستدامة.

كما يتطلب تسخير التكنولوجيا إصلاحات اقتصادية معقولة، وبنية أساسية أفضل، ومؤسسات واستراتيجيات أكثر قدرة على تسليم الحلول الرقمية للسكان المهمشين. وقد بدأت بعض الدول تتخذ مثل هذه الخطوات بالفعل. فأطلقت إندونيسيا على سبيل المثال برنامجاً طموحاً لتوصيل 100 مليون شخص إضافي بالنطاق العريض، وهذا اعتراف بأهمية الدور الذي يلعبه التوصيل في تعزيز الفرص الاقتصادية.

بيد أن خدمات الهاتف والإنترنت الأساسية تظل باهظة التكلفة للقسم الأعظم من «أفقر مليار شخص» في العالم. ولهذا السبب، يتعين على الحكومات، والجهات المانحة، ومؤسسات القطاع الخاص، أن تعمل معاً لإنشاء نماذج للأعمال والتسعير تسمح باسترداد التكاليف مع الاستمرار في تقديم مستوى كافٍ من الخدمة الرقمية لأكثر المستهلكين فقراً في الوقت نفسه. ويُعَد تمكين الوصول المجتمعي إلى التكنولوجيا من استراتيجيات الحد من الفقر التي تستحق الاستكشاف.

الواقع أن القدرة على تحمل التكاليف ليست العامل الوحيد الذي يبقي التكنولوجيا بعيدة عن متناول الفقراء. إذ تعكس الفجوة الرقمية أنماطاً أكبر من التمييز الاجتماعي، وخاصة في ما يتصل بالنساء. فأينما كانت المرأة تعيش فإن احتمال تمكنها على الإطلاق من استخدام الإنترنت يقل بنحو 40% عن الرجل. ويشير هذا إلى أن أشكال التفاوت الاجتماعي تؤدي أيضاً إلى إحداث فوارق في القدرة على الوصول إلى الخدمات الرقمية. وإغلاق هذه الفجوة أمر بالغ الأهمية. وعندما تتمكن المرأة من الوصول إلى مجموعة كاملة من الخدمات الرقمية -من الخدمات المصرفية عبر الأجهزة المحمولة إلى التطبيب عن بُعد- فإنها تصبح أكثر ثراء وأوفر صحة وأفضل تعليماً في عموم الأمر.

في حين يتخذ صناع السياسات في كل من البلدان المتقدمة والنامية القرارات وينفذون الاستثمارات التي من شأنها أن تعمل على تشكيل المشهد الذي تتوالى فيه فصول التغير التكنولوجي، من المبهج أن نرى بعض الدول تنخرط في حوار حقيقي هادف بشأن مستقبلها الرقمي. وما دام المواطنون الذين يفهمون التكنولوجيا والعواقب المترتبة على انتشارها يشاركون في هذه المحادثات، سيظل من الممكن تصميم حلول تلبي احتياجات الجميع.

الحق أن تكنولوجيات اليوم فائقة تتطور بسرعات مذهلة. ولكن بالاستعانة بالبصيرة الثاقبة والإعداد الجيد، يستطيع العالَم أن يقلص إلى أدنى حد من حجم الارتباك الذي ستحدثه هذه التكنولوجيات حتماً لضمان النمو الدائم الشامل. وإذا حرصنا على التنسيق بين استثماراتنا في البشر وإنفاقنا على الإبداع، فلن يترك «العصر الرقمي» الجديد أحداً يتخلف عن الركب.

كبير مسؤولي التخطيط الاستراتيجي ورئيس قسم السياسة العالمية والدعم في مؤسسة بِل وميليندا غيتس.

طباعة Email