00
إكسبو 2020 دبي اليوم

المؤسسة الأوروبية والقومية الدولية

ترفل المؤسسة الأوروبية الآن في نعيم إعلانين حديثين، ما كانت أهميتهما لتقل حتى ولو كانت دقتهما جزئية: نهاية أزمة الديون اليونانية، والاتفاق الفرنسي الألماني بشأن إعادة تصميم منطقة اليورو. من المؤسف أن كلاً من التقريرين يقدم دليلاً جديداً على الموهبة العظيمة التي تتمتع بها مؤسسة الاتحاد الأوروبي في عدم تفويت أي فرصة لتفويت الفرصة.

لم يأت هذان الإعلانان في الأسبوع نفسه عن طريق المصادفة. كان انهيار الديون اليونانية في عام 2010 عَرَضاً قبيحاً لعيوب التصميم التي تشوب منطقة اليورو، وهذا هو السبب الذي جعلها تؤدي إلى انتشار تأثير الدومينو عبر القارة. ويعكس إعسار اليونان المستمر الخلافات العميقة داخل المحور الفرنسي الألماني فيما يتصل بتصميم منطقة اليورو. وفي حين فشل الرؤساء الفرنسيون المتعاقبون والمستشارة الألمانية الحالية نفسها في الاتفاق على التغييرات المؤسسية التي من شأنها أن تجعل منطقة اليورو مستدامة، كان المطلوب من اليونان أن تنزف بهدوء.

نظم اليونانيون في عام 2015، تمرداً سحقته المؤسسة الأوروبية بلا هوادة. ولم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا تراجع شرعية الاتحاد الأوروبي بشكل مضطرد في أعين الناخبين الأوروبيين، كافياً لإقناع المؤسسة بتغيير طرائقها، وبدا الأمر كأن انتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هو الأمل الأخير للاتفاق الجديد بين برلين وباريس، اللازم لمنع إيطاليا المختنقة من إشعال شرارة تأثير الدومينو التالي، الذي سيكون مميتاً هذه المرة.

بعد وصول ماكرون اقتُرِحَت أفكار جديدة: ميزانية مشتركة لمنطقة اليورو، وأداة دين آمنة جديدة، وقدرات رفع الضرائب شبه الفيدرالية، وصندوق مشترك للتأمين ضد البطالة، وتأمين مشترك على الودائع المصرفية، ووعاء مشترك لإعادة رسملة البنوك المتعثرة، «وبالتالي توفير الأساس المفقود لاتحاد مصرفي حقيقي»، وعلاوة على ذلك، من الممكن أن يعمل صندوق استثماري جديد على حشد المدخرات العاطلة في مختلف أنحاء أوروبا، دون إضافة إلى الضغوط المالية التي تجهد الدول الأعضاء، كما بدا الأمر كأن حكومة ماكرون تبنت الاقتراح الذي تقدمت به شخصياً في عام 2015، عندما كنت وزيراً لمالية اليونان، لإعادة هيكلة الدين العام من خلال فهرسة الناتج المحلي الإجمالي. وبهذه الطريقة، كان إجمالي الدين العام اليوناني «وسرعة سداده» ليرتبط بحجم ومعدل نمو دخل اليونان الاسمي.

بعد مرور عام، وقد أصبحت إيطاليا على مسار تصادمي مع الاتحاد الأوروبي، خلصت قمة ميسبيرج بين المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى اتفاق حول إصلاح منطقة اليورو. وبعد بضعة أيام، قدمت المجموعة الأوروبية من وزراء مالية منطقة اليورو «حلاً» من ابتكارها لأزمة الديون اليونانية.

في عالَم جدير بالاحترام، كان هذان الإعلانان ليبشرا بنهاية عقد ضائع في أوروبا، وبداية عصر من إعادة البناء حتى يتسنى للأوروبيين أن يواجهوا معاً التحديات التي يفرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ودورة الانكماش الاقتصادي التالية، ولكن للأسف الشديد، هذا ليس العالَم الذي نسكنه.

حتى قبل قمة ميسبيرج، خفف ماكرون مقترحاته إلى حد الاستسلام، فقد دُفِع بخطة التأمين على الودائع المصرفية المشتركة وصندوق إعادة الرسملة إلى مستقبل غير قابل للتحقق، حيث تضطر بنوك دول منطقة اليورو الطرفية إلى التخلص من قروضها المعدومة أولاً قبل تشكيل اتحاد مصرفي لائق. ولم تُطرَح خطة التأمين ضد البطالة حتى للمناقشة. وأخيرا وليس آخرا، أُلقي بأداة الدين المشترك لدعم ميزانية منطقة اليورو بقيمة 2% إلى 3% من إجمالي دخل منطقة اليورو، الشرط الأساس لإنشاء اتحاد مالي حقيقي، إلى سلة المهملات بفظاظة.

بطبيعة الحال، عرضت ميركل ما يكفي للسماح لماكرون بإلباس مهانته قناع النصر الشخصي، فأمام هيئة صحافة منتشية، ألقيا بقرار إنشاء ميزانية لمنطقة اليورو بالاسم، في حين لم تكن في حقيقة الأمر أكثر من مجرد خط ائتماني من آلية الاستقرار الأوروبي (آلية الاستقرار الأوروبي هي صندوق الإنقاذ الذي منح اليونان قرضها في عام 2015)، كما اتفقا على إنشاء صندوق واهٍ «للأيام الممطرة»، على أن تموله الدول الأعضاء، ومعاملات مالية خيالية وضريبة على الاقتصاد الرقمي، وهي «التسوية» التي لا تكلف ميركل أي شيء، لأن دولاً مثل هولندا وأيرلندا من المرجح أن تنسفها.

أما عن رسملة البنوك، فقد روج ماكرون وميركل لخطة تمولها آلية الاستقرار الأوروبي، ولكن مع خضوع كل قرارات آلية الاستقرار الأوروبي لموافقة البرلمان الألماني، فإن مجلس العموم في البرلمان الألماني كان يملك حق النقض «الفيتو» ضد خطة إعادة رسملة البنك الإيطالي على سبيل المثال، ومن غير المرجح أن يتسنى إقناع الحكومة الإيطالية الجديدة بأمر كهذا.

عندما يحاول المصرفيون التغطية على القروض المعدومة على دفاترهم، فإنهم يمدون قروضاً جديدة لتمكين المقترضين المعسرين من التظاهر بأنهم يسددون أقساط القرض الأصلي، وعندما يستنفد القرض الجديد، يُسمَح للعميل بتعليق السداد لبضع سنوات، مع تراكم الفوائد. وهذا من شأنه أن يبقي على القيمة الصافية الحالية لأصولهم ثابتة، في حين يؤجل يوم الحساب «عندما يتعين عليهم أن يعترفوا للهيئة التنظيمية بأن القرض لا يمكن سداده».

كان دائنو اليونان منذ عام 2010، يمارسون استراتيجية التمديد والتظاهر هذه كما لو كانوا يتدربون على حدث أوليمبي. وبدلاً من التقليم الشجاع العلاجي لأصل الدين، أو حل فهرسة الناتج المحلي الإجمالي المعتدل، انتهى قرار المجموعة الأوروبية الأخير، الذي أُعلِن بوصفه «نهاية أزمة الديون اليونانية»، إلى تمجيد هذه الممارسة الهازئة.

من الناحية الفنية، كانت الدعامة الأساسية لاتفاقية الدين الجديدة التأجيل الذي دام عشر سنوات للمدفوعات التي بلغت في المجمل 96.6 مليار يورو (112.5 مليار دولار)، التي كان من المقرر أن تبدأ في عام 2023. وبالتالي فقد مُنِحَت الدولة اليونانية الفرصة للسداد السهل حتى عام 2033 في مقابل مواصلة التقشف القاسي إلى ما لا نهاية (هدف تحقيق فائض أولي في الميزانية بنسبة 3.5% من الدخل الوطني حتى عام 2022، ثم 2.2% خلال الفترة من 2023 إلى 2060)، ودفعات سداد سنوية مستحيلة للدين من عام 2033 إلى عام 2060 (نحو 60% من عائدات الدولة من الضرائب)، ونسبة دين إلى الدخل الوطني أعلى من 230% بحلول عام 2060 (نحو 60% من عائدات الدولة من الضرائب)، ونسبة دين إلى دخل وطني أعلى من 230% بحلول عام 2060 إذا تسبب الركود العالمي التالي في جعل أهداف النمو المفرطة الطموح وفقاً للخطة بعيدة المنال، كما سيفعل بكل تأكيد.

إن أي تقييم موضوعي لصفقة مجموعة اليورو الجديدة بشأن الدين العام اليوناني لا بد أن يخلص إلى أنها تحكم على اليونان بالعبودية الدائمة للدين. وسوف يستنتج المراقب غير المتحيز لقمة ميركل-ماكرون أن منطقة اليورو تظل غير مستدامة على مستوى الاقتصاد الكلي تماماً كما كانت حالها قبل خمس سنوات. ومع ذلك، لا تزال المؤسسة الأوروبية الغافلة عن القومية الدولية التي تستعد لالتهام الاتحاد الأوروبي، تقدم المقبلات لمنطقة اليورو.

* وزير مالية اليونان الأسبق، وأستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا

opinion@albayan.ae

طباعة Email