العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    هل يصمد الوسط ؟ 2- 2

    إن الركود لا يمكن التنبؤ به بنجاح أبداً، حتى قبل قدومه بستة أشهر. وقد استمر التوسع الحالي في الولايات المتحدة الأميركية لفترة طويلة، وخطر ارتكاب أخطاء سياسية هناك أمر حقيقي للغاية.

    وذلك بسبب القيادة الاقتصادية الـمُعضِلة في الإدارة الاميركية الحالية. وأظن أن الاحتمال السنوي للركود في السنوات المقبلة ربما يبلغ 20% إلى 25%. وعلى هذا فإن الاحتمالات أقوى حتى من احتمالات انزلاق الاقتصاد الأميركي إلى الركود في السنوات الثلاث المقبلة.

    الواقع أن مكمن الخطر من منظور اقتصادي بحت يتمثل في أن الاستراتيجية التقليدية في مكافحة الركود ــ خفض أسعار الفائدة على الأموال الفيدرالية بنحو 500 نقطة أساس ــ لن تكون متاحة هذا العام، نظراً لانخفاض أسعار الفائدة إلى حد الصِفر الأدنى. من غير الواضح أيضا ما إذا كان التوسع المالي قد يتوفر لها ما يلزم من إرادة أو حيز.

    وهذا يعني أن الركود التالي، شأنه في ذلك كشأن الأخير، ربما يكون مطولاً وعميقاً، مع ما يترتب على ذلك من عواقب عالمية حادة. ويبدو أن القدرة السياسية على تقديم استجابة عالمية، كتلك التي شهدناها في قمة مجموعة العشرين في لندن عام 2009، أصبحت هي أيضا غائبة. ولنقارن هنا بين الرؤى العالمية للرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس وزراء المملكة المتحدة غوردون براون آنذاك وبين رؤى الرئيس دونالد ترامب ورئيسة الوزراء تيريزا ماي اليوم.

    الحق أن رعدة تسري في جسدي عندما أفكر في ما قد يعنيه الركود العميق للسياسة والسياسات. ومن الصعب أن أتخيل إمكانية تجنب عودة الحياة إلى تدابير الحماية، والشعبوية، والتضحية بكباش الفداء. وفي مثل هذا السيناريو، كما هي الحال مع أي أزمة مالية أخرى، لن يتمكن الوسط من الصمود.

    لكن الخطر الأعظم في السنوات القليلة المقبلة، في اعتقادي، ليس انهيار السوق ولا الركود. بل يكمن الخطر الأعظم في الانزلاق إلى حلقة سياسية مفرغة حيث يتحول استنتاج الناخبين بأن الحكومة لا تعمل بفعالية من أجلهم إلى نبوءة ذاتية التحقق. والمرشحون المنتخبون على أساس الاستياء والسخط ينتزعون شرعية الحكومات التي يقودونها، وهذا كفيل بتغذية المزيد من الاستياء بل وحتى جلب قادة جدد أكثر إثارة للمشكلات والمعضلات. وتُصبِح الغَلَبة للاستهزاء بكل شيء.

    وإلا فكيف يفسر المرء ترشح روي مور لمقعد في مجلس الشيوخ الأميركي؟ إنه الرجل الذي أقيل مرتين إقالة مسببة من منصبه في المحكمة العليا في ولاية ألاباما، والذي اتُهِم بالاعتداء على فتيات مراهقات عندما كان في الثلاثينات من عمره، والآن ربما يدخل مجلس الشيوخ الأميركي في حين ينظر زملاؤه إلى الجانب الآخر تغافلاً.

    إذا فقد مواطنو بلد ما ثقتهم في قدرة حكومتهم على تحسين حياتهم، فإن الحكومة يُصبِح لديها الحافز لحشد الدعم الشعبي من خلال تركيز الانتباه على تهديدات لا يمكن لغيرها التصدي لها. ولهذا السبب، يزداد إغراء وصم الأقليات حِدة في المجتمعات التي يغلُب عليها الغضب وعدم اليقين بشأن المستقبل. ولنفس السبب يميل المسؤولون الرسميون إلى تضخيم التهديدات الأجنبية.

    وبوسعنا أن نرصد هذه الظاهرة في مختلف أنحاء العالَم. فقد لجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينج، إلى جعل النزعة القومية جزءاً مركزياً في استراتيجيتهم الحاكمة. وكذا فعل الرئيس دونالد ترامب ، الذي رفض صراحة المجتمع الدولي لصالح فكرة مفادها أنه لا يوجد سوى صراع لا يتوقف بين الدول القومية سعياً إلى الفوز بميزة تنافسية.

    وعندما ترفض القوى البارزة في العالَم فكرة المجتمع الدولي التي ناصرتها طوال 75 عاماً تقريبا لصالح عقد صفقات حسب الغرض، فلن تجد القوى الأخرى اختياراً غير السير على خطاها. وتستشعر الدول التي لم يعد بوسعها أن تعتمد على الولايات المتحدة الضغوط المطالبة لها بتوفير أمنها بنفسها. وسوف يسعى خصوم أميركا حتما إلى شغل الفراغات المتخلفة عن تقهقر الولايات المتحدة.

    تستطيع الإدارات اللاحقة دوماً إلغاء أو تعطيل السياسات الضريبية أو التنظيمية أو الموازنة ــ وإن كان ذلك بصعوبة كبيرة. أما التصور بأن الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لمناصرة ودعم حلفائها في المجتمع الدولي، فهو أمر أقل قابلية للإلغاء أو النقض.

    وحتى إذا استأنفت الولايات المتحدة التزاماتها السابقة، فسوف يظل الشعور قائماً بأن من يخلف الوعد مرة يمكنه أن يخلف الوعد مرة أخرى. وبمجرد أن تسلك الدول الأخرى مساراً جديداً، فربما تُصبِح غير قادرة أو غير راغبة في عكس مسارها.

    هل يصمد الوسط إذن؟ وهل يظل النظام الدولي مستقراً في عموم الأمر؟ تتوقف الإجابة على اختيارات إدارة ترامب واستجابات حكومات أخرى. ولكن بينما تراقب الدول الأخرى أميركا، فإنها لن تكتفي بالنظر إلى رئيسها، وخاصة مع استمرار شعبيته في الانحدار. ولهذا السبب، بات من المهم أكثر من أي وقت مضى أن يعلن الأميركيون كافة التزامهم المستمر بالديمقراطية والرخاء في الداخل وبقيادة المجتمع العالمي.

    * وزير الخزانة في الولايات المتحدة (1999-2001)، ومدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي (2009-2010)، والرئيس الأسبق لجامعة هارفارد، وأستاذ في جامعة هارفارد حاليا.

     

     

    طباعة Email