العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    إعادة تصميم العلاقات التجارية المستقبلية

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    في الوقت الذي تتفاوض فيه المملكة المتحدة حول شروط خروجها من الاتحاد الأوروبي، سيكون من الحكمة أن يبدأ زعماء البلاد بتحديد النهج الذي سيخدم العلاقات التجارية الدولية بشكل أفضل.

    هل تريد المملكة المتحدة حقاً أن تعلق مستقبلها على الاتفاقيات الثنائية مع قائمة طويلة من الشركاء التجاريين الفرديين؟

    أم أنه سيكون من الأفضل الانضمام إلى اتفاقات التجارة الحرة الإقليمية الكبرى القائمة، مع العمل على تعزيز النظام العالمي متعدد الأطراف في إطار منظمة التجارة العالمية؟

    وسيتطلب النهج الثنائي الكثير من الوقت والموارد، حيث يدخل المفاوضون في المملكة المتحدة في سلسلة من المناقشات مع كل بلد يرغبون في القيام بأعمال تجارية معه. وستكون النتيجة النهائية شبكة معقدة من الصفقات والتي تؤدي إلى تفاقم بلقنة النظام التجاري الدولي، لكن هذا النهج يحد من مكاسب التجارة.

    فعلى سبيل المثال، أفاد مصرف التنمية للبلدان الأميركية بأن المكاسب التجارية من اتفاقات التجارة الإقليمية الصغيرة في أميركا اللاتينية البالغ عددها 33 اتفاقاً كانت ضئيلة. ويتمثل تعزيز تلك المكاسب، وفقاً للبنك الدولي للتنمية، في اعتماد استراتيجية جديدة توسع نطاق الوصول إلى الأسواق.

    ويشير ذلك إلى أن اتفاقيات التجارة الإقليمية الكبرى - التي توفر إمكانية الوصول إلى أسواق متعددة، لكنها تنطوي على مستويات التكامل المالي والتنظيمي أدنى من الاتحاد الأوروبي - هي أفضل طريقة للمضي قدماً.

    وعلى كل حال، فإن هذا النهج من شأنه أن يمكن الشركات البريطانية من ولوج عروض متطورة ومتكاملة، تخدم أسواقاً أكبر بكثير من تلك التي يتيح لها الاتفاق الثنائي الوصول إليها، ويمكن القول إن النهج متعدد الأطراف ليس الخيار الأفضل فحسب، بل الخيار الوحيد.

    ويجب النظر في التحديات الأخيرة التي تواجهها بومبارديير، وهي شركة كندية متعددة الجنسيات تنتج طائرات ركاب من 100-150 مقعداً باستخدام أجزاء من مصادر عالمية، بما في ذلك الأجنحة المصنوعة من قبل بومبارديير بالمملكة المتحدة، أكبر مشغل صناعي في أيرلندا الشمالية.

    وتقوم شركة بومبارديير بالمفاوضة على بيع أكثر من 125 طائرة من طائراتها إلى خطوط دلتا الجوية. بيد أن شركة بوينغ الأميركية العملاقة في تصنيع الطيران أوقفت عملية البيع، مدعية أن بومبارديير، مع الدعم الداخلي، كانت تبيع الطائرات بأسعار أقل من السوق، مما يعطي الشركة ميزة غير عادلة.

    على الرغم من احتجاجات كندا والمملكة المتحدة، فقد قررت وزارة التجارة الأميركية فرض تعريفة استيراد مرتفعة للغاية تبلغ حوالي 300٪. وستنتشر آثار هذه التعريفة في جميع نقاط العرض، لتكلف 4200 وظيفة سيتم الاستغناء عنها في بومبارديير المملكة المتحدة.

    وتبين هذه التجربة أوجه القصور في الاتفاقات الثنائية، ولا سيما في عالم تتجاوز فيه سلاسل العرض والأسواق البلدان المعنية. قد تتفاوض المملكة المتحدة على اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مع كندا على سبيل المثال، ولكن الشركات البريطانية ستحقق فوائد قليلة، ما لم تتمكن الشركات الكندية من بيع منتجات تحتوي على مكونات المملكة المتحدة لشركائها التجاريين الآخرين.

    ويشير حدث بومبارديير إلى أهمية المشاركة في منظمة التجارة العالمية وإصلاحها، التي تجري بموجبها الإجراءات المتخذة من قبل الولايات المتحدة ضد بومبارديير. إن تأثير قواعد منظمة التجارة العالمية وآليات حلها أمر بعيد المدى، إذ إن 164 بلداً في جميع أنحاء العالم تشترك فيها.

    ومع ذلك فإن قواعد منظمة التجارة العالمية لها عيوب. فهي تسمح للبلدان المصدرة بتقديم الدعم المالي والإعانات لصناعات محددة؛ ولكنها تعطي أيضاً للدول المستوردة الحق في استخدام التعريفات للتعويض عن هذه الإعانات. وقد واجهت منظمة التجارة العالمية انتقادات لا حصر لها حول قواعد الإعانات وإغراق السوق، وهناك انتقاد آخر حول قضية بومبارديير، لأن الولايات المتحدة وكندا لديهما أفكار مختلفة حول كيفية تفسير هذه القواعد.

    وزيادة على أن الكل غير راض عن قواعد منظمة التجارة العالمية الحالية، فإن الجهود المبذولة لإصلاحها لم تحقق أي نتيجة. ولكن الحالات الأخيرة ذات القيمة العالية التي تشمل منتجات التكنولوجيا الفائقة مثل الطائرات وأشباه الموصلات والتقنيات الخضراء، بما في ذلك الألواح الشمسية والديزل الحيوي، توضح أن المشكلة لا يمكن تجاهلها. والحقيقة هي أنه لا يمكن معالجة المخاوف بشأن المساعدات الحكومية وسياسة المنافسة إلا من خلال منتدى متعدد الأطراف مثل منظمة التجارة العالمية.

    ونتيجة لعدم اكتراث المملكة المتحدة للدعم الصناعي من شركائها التجاريين، فإنها ستستفيد من قواعد دولية واضحة بشأن الدعم الصناعي والتعريفات المضادة للدعم. وبذلك، فإن لدى المملكة المتحدة حافزاً قوياً للتعامل مع منظمة التجارة العالمية والمساعدة على تطويرها. ويكمن النهج متعدد الأطراف الآخر والذي نال إعجاب المملكة المتحدة، في الشراكة عبر المحيط الهادئ.

    وهي اتفاقية تجارية إقليمية ضخمة تنص على التجارة الحرة وتشمل التزامات متواضعة في مجالات المعونة الحكومية وسياسة المنافسة، من دون الحاجة إلى التكامل على مستوى الاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من تراجع الشراكة عبر المحيط الهادئ في العام الماضي، عندما سحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بلاده، التزمت الدول الـ11 المطلة على المحيط الهادئ المتبقية في الصفقة الشهر الماضي بتنمية هذه الشراكة.

    ولا يتعين على برنامج الشراكة عبر المحيط الهادئ أن يحد من عضويته في المحيط الهادئ، يمكن للمملكة المتحدة التعامل معها. وبالنظر إلى تجربتها ومكانتها الدولية الكبيرة، يمكن للمملكة المتحدة أن تساعد على إحياء هذه المفاوضات التجارية المشوشة من قبل القوى الحمائية لإدارة ترامب.

    ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لا يوجد أمام المملكة المتحدة خيار سوى إعادة تصميم علاقاتها التجارية المستقبلية. وينبغي أن تركز استراتيجيتها التجارية طويلة الأجل، بوصفها منتجاً رئيسياً للمكونات المتطورة، على الوصول الحر والعميق لأسواق العرض المتكاملة عبر الحدود. وهذا يعني الابتعاد عن الصفقات الثنائية، والتوجه نحو نهج متعدد الأطراف يمكّن البلد من إعادة التوازن وتوسيع ترتيباته التجارية في جميع أنحاء العالم.

    * أستاذ الاقتصاد في جامعة كامبريدج

    ** أستاذ الاقتصاد في جامعة كامبريدج

     

    طباعة Email