العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    بريكست والخاتمة الشكسبيرية

    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    بينما يتفرج بقية العالم بمزيج من التسلية والشفقة ، أصبحت السياسة البريطانية في عصر البريكست تشبه المسلسلات التلفزيونية الطويلة فهل الفوضى التي بدأت تدب في بريطانيا هي جيدة لأوروبا أو حتى لبريطانيا ؟ربما ولكن فقط بمعنى أن حطام القطار يعطي الدروس عن ما الذي يجب تجنبه .

    إن اللاعبين الفاعلين في السياسة البريطانية يمثلون ويتكلمون بصراحة عن كيف أن الحياة هي بمثابة محاكاة للفن والنموذج الذي تبنوه هو مسلسل لعبة العروش الدرامي والقائم على أساس الطعن في الظهر أو الكوميديا السوداء لمسلسل هاوس اوف كاردز ( النسخة البريطانية وليس النسخة الأميركية المقلدة الطويلة والمملة والتي تم إلغاؤها مؤخراً بعد ادعاءات التحرش ضد نجم تلك النسخة كيفن سبيسي).

    وعلى العكس من مسرحية هاملت والتي تموت فيها كل الشخصيات تقريبا باستثناء شخص واحد اجنبي وهو فورتينبراس والذي يظهر من اجل إعادة الحياة الطبيعة فإن المسرحيات الدرامية السياسية الحديثة التي تشبه الخيال لا تنتهي بشكل مرض على الإطلاق ودراما بريكست هي بمثابة تقليد متقن للفن ولا بد أن تنتهي الى نتيجة فوضوية .

    إن بريكست ليس فقط اضطراب سياسي بل ثورة ، وتاريخيا فإن عمليات تغيير المواقف السياسية بشكل راديكالي كانت نادرة ضمن السياسة البريطانية ومن الأمثلة على ذلك الثورة العظيمة سنة 1688 والتي نتج عنها نظام قائم على أساس حزبين وهما ويجس والذي أيد التسوية الجديدة والتوريز والذين قاوموا تلك التسوية.

    لقد استمر هذا النظام لأكثر من قرن حتى سنة 1840 عندما اصبح اسم ويج مترادفا مع الليبرالية والتوري مع التيار المحافظ ولكن في سنة 1846 انقسم حزب المحافظين .

    وذلك بسبب الحد من التعرفة الحمائية المفروضة على الحبوب حيث كان ذلك يعتبر أمراً سيئاً للقاعدة الريفية للحزب من المزارعين وإيجابيا بالنسبة للتصنيع وللمجتمع بشكل عام ولقد استمر التوازن السياسي الناتج عن ذلك لمدة قرن تقريبا وذلك حتى العشرينيات من القرن الماضي عندما حل حزب العمال مكان الليبراليين كبديل عن الاتجاه المحافظ.

    يمكن القول إن هناك تغييرا سياسيا آخر كان مستحقا منذ فترة طويلة ففي فترة ما بعد سنة 2000 لعبت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي دورا حيويا في تحسين صورة حزب المحافظين والذي كان يعرف باسم "الحزب البغيض" ولكن استراتيجتها للبريكست والتي تجنبت بموجبها أن تتبنى مواقف واضحة قد حولت الحزب الى شيء أسوأ : عصبة سياسية مخادعة ومقسمة وضعيفة والتي يمكن أن تكون قراراتها مميتة.

    إن بريكست يتجاوز التقسيم القديم القائم على أساس حزبين في السياسة البريطانية فكتلة حزب المحافظين في البرلمان تشمل أقليه صغيره تنظر للبريكست ككارثة وآخرين يريدون حلاً وسطاً يتم التفاوض عليه بشكل جيد وهناك مجموعة كبيرة تعارض أي حل وسط وتتبنى فكرة الخروج الكامل والتام من الاتحاد الأوروبي.

    إن حزب العمال مقسم كذلك فزعيم الحزب جيرمي كوربين معاد للاتحاد الأوروبي لأنه يمكن أن يمنعه من تطبيق برنامجه الاشتراكي الطوباوي وفي الوقت نفسه هناك العديد من نواب حزب العمال يقرون بأن الاتحاد الأوروبي يلعب دورا مركزيا في توفير الفرص الاقتصادية والحراك الاجتماعي للمواطنين البريطانيين .

    لأنه لا توجد قضايا أساسية تفصل المحافظين المؤيدين للاتحاد الأوروبي عن العمال المؤيدين للاتحاد الأوروبي فلقد بدأ الآن تعاون عملي بين أعضاء في الحزبين ولكن من اجل أن يحظى مثل هذا التحالف البرلماني بشرعية ديمقراطية يجب أن يقدم نفسه ليس فقط كتحالف للنواب من نفس الفكر ولكن كحزب سياسي جديد وببرنامج يواجه بشكل واقعي تحديات التغير التقني والعولمة.

    لقد حصلت تحولات مشابهة في بلدان أوروبية اخرى عندما انهارت الأحزاب والتقاليد المترسخة في المجتمع ففي التسعينيات تفكك نظام الحزبين الرئيسيين في إيطاليا بشكل عام وذلك عندما تأثر الحزب الديمقراطي المسيحي بفضائح فساد وتفكك الحزب الشيوعي بسبب انهيار الاتحاد السوفياتي .

    وأصابت السياسة الإيطالية حالة من عدم الاستقرار منذ ذلك الحين، وفي فرنسا فإن الحزب السياسي الجديد للرئيس ايمانويل ماكرون وهو الجمهورية الى الأمام قد حل عمليا مكان حزب يمين الوسط القديم وهو الحزب الديغولي الجمهوريون.

    بالإضافة الى الاشتراكيين من يسار الوسط ولكن ما يزال ماكرون يقر بأن تعديله للسياسة الفرنسية لن يكتب له النجاح ما لم تكن هناك تجارب متطابقة على المستوى الأوروبي واذا لم يتحقق تحول على المستوى الأوروبي فإن هذا سيكون بسبب الحكاية التحذيرية التي تحصل في أوروبا، أما في ألمانيا فإن انهيار مفاوضات التحالف بين الحزب الديمقراطي المسيحي والاتحاد المسيحي الاجتماعي والديمقراطيون الأحرار والخضر يوحي بأن هناك حاجة لتغيير سياسي هناك أيضاً.

    في واقع الأمر فإن التغيير قد يحظى بفرصة افضل للنجاح في أماكن اخرى في أوروبا مقارنة بالمملكة المتحدة فمشاكل بريطانيا تعتبر أعمق من السياسة الحزبية فبريكست أطلق ثورة في بلد لا يوجد فيه تقاليد ثورية فالانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيتطلب اقتلاع أطر قانونية ومؤسساتية معقدة للغاية والتي تدور حولها معظم المعايير والاتفاقيات السياسية.

    حتى الآن فإن كل ترتيب بديل تم اقتراحه كان ينطوي على المشاكل فعلى سبيل المثال لو قامت بريطانيا بتحرير تجارتها وسياساتها التنظيمية فإن العمال البريطانيين قد ينتهي بهم المطاف في وضع أسوأ من وضعهم عندما كانوا تحت نظام الاتحاد الأوروبي ومن المحتم أن كل خطوة ملموسة خارج الاتحاد الأوروبي سوف تؤدي الى المزيد من التفكك الحزبي .

    اذا نظرنا للأمام فإن هناك اثنين من السيناريوهات بالنسبة للسياسة البريطانية ، إن السيناريو الأول هو سيناريو هاملت وبموجب هذا السيناريو تستمر الفوضى حتى تخرج أوروبا بشكل صعب من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي والمسرح سيكون مليئا بالجثث السياسية وستترتب على ذلك كارثة اقتصادية .

    في السيناريو الثاني فإن المنطق سيفرض نفسه : أن تتجذر براغماتية تشابه براغماتية ماكرون في بريطانيا بحيث تحل مكان الشعبوية التي تشبه شعبوية بوجاد والتي أدت الى تدعيم موقف حملة الخروج البريطاني المعادية للاتحاد الأوروبي. إن هذا السيناريو يفترض أن الماكرونية ستنجح على المستوى الأوروبي وذلك حتى تصبح بمثابة حماية من السياسات المشوهة والفاشلة في الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا بالإضافة الى حالة عدم الاستقرار الجديدة في ألمانيا .

    إن هذه النتيجة ستكون شكسبيرية كذلك حيث نتذكر مسرحية "العبرة في النهاية" وهي من اكثر مسرحيات شكسبير الكوميدية تعاسة.

    * أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة برنستون وزميل تنفيذي في مركز ابتكار الحوكمة العالمي

     

    طباعة Email