00
إكسبو 2020 دبي اليوم

عملية عقلانية لصُنع السياسات

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

أعربت أليس ريفلين، في ظهور أخير لها هنا في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، عن تفاؤلها بشأن مستقبل صناعة السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة. وتشكل رؤية ريفلين لهذا الموضوع أهمية بالغة، لأنها شغلت منصب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، ومنصب مدير مكتب الإدارة والميزانية في البيت الأبيض في عهد الرئيس بِل كلينتون، ومنصب المدير المؤسس لمكتب الميزانية في الكونغرس. والواقع أن أميركا تدين بنظامها «التكنوقراطي» الحالي ــ الذي يضمن أن عملية صنع السياسات تتبع التحليل السليم والأدلة التجريبية ــ لريفلين أكثر من أي إنسان آخر على قيد الحياة، ولكن عندما كانت أصغر سناً، رُفِض قبول ريفلين في برنامج الدراسات العليا في مركز ليتاور للإدارة العامة في جامعة هارفارد. وقيل لها إن طلبها رُفِض بسبب «تجارب مؤسفة» مع قبول «نساء في سن الزواج».

في تلك العبارات، يكاد المرء يسمع العظات الناعمة عن استسلام حواء لإغراء الثعبان، ثم إغراء حواء ذاتها لآدم. بطبيعة الحال، عندما ساعدت ريفلين على تأسيس مكتب الميزانية في الكونغرس في عام 1974، كانت في الأساس تأكل من شجرة المعرفة، وكانت تجعل بقيتنا أيضاً يأكلون منها. ونحن جميعاً في حال أفضل الآن لهذا السبب.

في حديثها الأخير، أعربت ريفلين عن ثقتها بأنه على الرغم من الهجمات الشعبوية اليوم على الخبراء، فسوف يستمر تحليل السياسات عالي الجودة في الازدهار في المجال العام في القرن الحادي والعشرين. وهي تتوقع أن تظل الأدلة التجريبية والمعرفة القائمة على الخبرة تحمل وزناً كبيراً - إن لم يكن كاملاً - في عملية اتخاذ القرار، من خلال المشرعين والرؤساء ومستشاريهم.

من المؤكد أن مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي لم يكن من قَبل قَط أكثر تأثيراً من حاله هذا العام. وكان تأثيره محسوساً ليس فقط بسبب دوره في الإجراءات المتبعة في الكونغرس، بل أيضاً لأنه يقدم تقييمات تحظى باحترام واسع النطاق من قِبَل الحكومة، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني.

وتستند تقديراته لكيفية تأثير المقترحات التشريعية التي يتقدم بها الجمهوريون في الكونغرس على البلاد إلى قدر عميق من الاطلاع والمعرفة، وهو أيضاً غير حزبي ويتحلى بحسن النوايا.

وحتى الآن على الأقل يبدو أن ريفلين محقة في تفاؤلها، ومع ذلك، تظل الشكوك تساورني حول المستقبل. إذ تعتقد ريفلين أن دوائر صنع السياسات مُجمِعة في عموم الأمر على مبادئ اقتصادية أساسية، وأن التقييمات والتقديرات والنماذج المستخدمة في مناقشات السياسة العامة سوف تستند إلى هذه المبادئ. وقد أشارت إلى أن أي خبير اقتصادي مرموق اليوم ما كان لينظر إلى قاعدة بسيطة في السياسة النقدية باعتبارها عصا سحرية لتجنب الكساد والدوامات التضخمية، في حين كان كثيرون يفعلون ذلك ذات يوم.

وهذا صحيح إلى حد كبير. ومع ذلك، حتى الإعلان عن اختيار جيروم باول رئيساً تالياً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، كان رجل الاقتصاد جون تايلور من جامعة ستانفورد منافساً رئيسياً. ومن المعروف عن تايلور أنه وضع مبادئه التوجيهية الخاصة «قاعدة تايلور» للكيفية التي ينبغي للبنوك المركزية أن تحدد بها أسعار الفائدة. وظل متمسكاً بهذه القاعدة لفترة طويلة، على الرغم من الافتقار إلى الأدلة التي تشير إلى أنها كانت لتحقق نتائج أفضل من تلك التي أفضت إليها قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفعلية منذ سبعينيات القرن العشرين.

وعلاوة على ذلك، عندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين الخبير الاقتصادي كيفين هاسيت من المعهد الأميركي للمشاريع لقيادة مجلس المستشارين الاقتصاديين في البيت الأبيض، توقع كثيرون أن يكون هاسيت رئيساً «طبيعياً» لمجلس المستشارين الاقتصاديين. وقيل لنا إن هاسيت قادر على الحفاظ على مصداقية مجلس المستشارين الاقتصاديين، من خلال ضمان تماشي تقديراته مع تقديرات مجتمع تحليل السياسات في عموم الأمر، وإنه سيفهم أن الهيئات والمنظمات مثل مكتب الميزانية في الكونجرس، ومكتب الإدارة والميزانية، واللجنة المشتركة للضرائب، ومركز السياسات الضريبية، ومركز الميزانية وأولويات السياسة تدين بولاء أساسي للحقائق، وليس بعض المانحين أو أي سيد سياسي.

مع ذلك، أنفق هاسيت وقته في مجلس المستشارين الاقتصاديين حتى الآن في تمزيق تقديرات مركز السياسات الضريبية، حتى برغم أن المنظمة ستصدر في المستقبل بلا أدنى شك تقييمات لن تقل إزعاجاً لخصومه السياسيين عن إزعاجها له اليوم، ووفقاً لشبه الإجماع بين محللي السياسات، فإن حصة الضرائب المفروضة على الشركات التي يتحملها العمل، وحصة العائدات المفقودة نتيجة لخفض ضريبة دخل الشركات، والتي ستسترد من خلال الاستثمار المتزايد، تعادل 25%.

ومع ذلك، يفترض مجلس المستشارين الاقتصاديين بقيادة هاسيت الآن أن كلاً منهما تعادل 82%. وكان هذا الزعم، فضلاً عن هجمات هاسيت الأخيرة على مركز السياسات الضريبية، سبباً في تأجيج غضب وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز إلى درجة لم يسبق لي أن رأيته عليها من قبل قط عندما يتعلق الأمر بقضايا السياسة العامة. ويرى سامرز أن تحليل هاسيت يتألف من «مزيج من عدم النزاهة، وانعدام الكفاءة، والسخف».

في مناسبة شهيرة، قال بنجامين فرانكلين للشعب الأميركي إن دستور الولايات المتحدة من شأنه أن «يزودهم بجمهورية، شريطة أن يحافظوا عليها». وفي حياتها المهنية الطويلة والمتميزة، زودتنا ريفلين وغيرها من أمثالها بعملية عقلانية في صنع السياسات ــ ولكن يتعين علينا أن نحافظ عليها.

* نائب مساعد وزير الخزانة الأميركية سابقاً، وأستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وباحث مشارك لدى المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية

طباعة Email