00
إكسبو 2020 دبي اليوم

الديمقراطية وموثوقية الخبراء

ت + ت - الحجم الطبيعي

لقد كتبت في الشهر الماضي مقالاً تساءلت فيه لماذا دعم الناخبون في المملكة المتحدة الخروج من الاتحاد الأوروبي في تحد لآراء الغالبية الساحقة من الخبراء والذين حذروا من التكلفة الاقتصادية الكبيرة لبريكسيت ولقد لاحظت أن العديد من الناخبين في المملكة المتحدة وأماكن أخرى يشعرون بالغضب من الخبراء الاقتصاديين وهم يقولون إن الخبراء فشلوا في التنبؤ بالأزمة المالية سنة 2008 كما ركزوا على الفعالية في نصائحهم المتعلقة بالسياسات، وافترضوا بدون تفكير أن الخاسرين من وصفاتهم المتعلقة بالسياسات يمكن تعويضهم بطريقة غير محددة ولقد جادلت بأنه يتوجب على الخبراء أن يكونوا أكثر تواضعا وأكثر حرصا على قضايا التوزيع.

لقد أثار هذا المقال تعليقات من القراء تجاوزت بكثير التعليقات على مقالاتي الأخرى وردود أفعالهم تؤكد في غالبيتها الغضب الذي لاحظته فهم يعتبرون الاقتصاديين والخبراء الآخرين أناساً منعزلين عن الناس العاديين وغير مبالين بمخاوفهم وبأنهم مدفوعون بأجندة لا تتوافق مع المواطنين وهم عادة ما يكونون مخطئين بشكل واضح، مما يعني أنهم لا يتمتعون بالكفاءة كما أنهم عادة ما يكونون منحازين للشركات الكبيرة والقطاع المالي وهم يتصفون كذلك بالسذاجة، حيث ظهر ذلك جليا في فشلهم في إدراك أن السياسيين يختارون التحليلات التي تلائم طرحهم ويتجاهلون البقية. لقد قال البعض إن الخبراء مذنبون كذلك بتجزئة المجتمع وذلك عن طريق تجزئة النقاش العام إلى مناقشات ضيقة ومتخصصة لا حصر لها.

إن من الملفت للنظر أنني قد تلقيت تعليقات من مختصين في العلوم الطبيعية قالوا إن ازدياد انعدام ثقة المواطنين بالخبراء موجود في تخصصاتهم كذلك. إن الآراء العلمية في مجالات مثل الطاقة والمناخ وعلم الجينات والطب تواجه رفضا شعبيا على نطاق واسع، فعلى سبيل المثال في الولايات المتحدة وجد مسح لمؤسسة بيو أن 67% من البالغين يعتقدون أن العلماء يفتقدون فهما واضحا للتأثيرات الصحية للكائنات العضوية المعدلة جينياً. إن انعدام الثقة في الكائنات العضوية المعدلة وراثياً أعلى من ذلك في أوروبا وبينما لا يزال الدعم الإجمالي للعلم قويا فإن العديد من المواطنين يعتقدون أنه يتم التلاعب به من قبل أصحاب المصالح الخاصة وفيما يتعلق ببعض المسائل فإن النظرة العامة لا تعكس الأدلة المثبتة.

إن الفجوة بين الخبراء والمواطنين تبعث على القلق الشديد فالديمقراطية التمثيلية لا تبنى على أساس الاقتراع العالمي فحسب، ولكن أيضا على أساس المنطق. إن الوضع المثالي هو أن تنتهي المداولات والأصوات إلى قرارات وطنية تستخدم المستوى الحالي للمعرفة في تنفيذ سياسات تعزز من رفاهية المواطنين، وهذا يتطلب عملية يقوم بموجبها الخبراء -الذين نثق بكفاءتهم وأمانتهم- بإفادة صناع القرارات بالخيارات المتوفرة من أجل تلبية ما يفضله الناخبين. إن من غير المرجح أن يشعر المواطنون بالرضا لو اعتقدوا بأن الخبراء يفرضون أجندتهم الخاصة أو أنهم يخدمون مصالح خاصة علما أن انعدام الثقة بالخبراء يؤدي لانعدام الثقة بالحكومات المنتخبة وربما بالديمقراطية نفسها.

إذاً لماذا يوجد مثل هذا الفاصل بين الخبراء والمجتمع؟ كل بلد لديه سلسلة من الفضائح المدوية المتعلقة بالصحة العامة أو السلامة. لقد كان الخبراء مذنبين بالارتباك وتضارب المصالح، حيث تم بسرعة فقدان السمعة الطيبة والتي تم اكتسابها بشق الأنفس.

لكن عادة ما يفشل النقاد في الإقرار بأن العلم ينطوي على تدقيق أكثر تشددا مقارنة بقطاعات أخرى مثل قطاع الأعمال أو القطاع الحكومي. إن العلم عادة ما يكون حامل راية الممارسات الجيدة المتعلقة بالتحقق من صحة التحليل ومناقشة مقترحات السياسات. إن الإخطاء عادة ما تقع في القطاع الأكاديمي ولكن عادة ما يتم تصحيحها بشكل أسرع وأكثر منهجية مقارنة بالقطاعات الأخرى. إن الطبيعة الجماعية للتحقق من صحة العلم توفر كذلك ضمانات ضد الانقياد للمصالح الخاصة.

في واقع الأمر فإن من الممكن أن المشكلة أعمق مما توحي به الشكاوى المشتركة ضد الخبراء فقبل بضعة عقود كان يفترض على نطاق واسع بأن إحراز تقدم في التعليم العام سيؤدي بشكل عام لجسر الهوة بين المعرفة العلمية والاعتقاد الشعبي بشكل تدريجي، مما يساهم في ديمقراطية أكثر هدوءاً ومنطقية.

إن الدلائل تشير لعكس ذلك فلقد أثبت عالم الاجتماع الفرنسي بأن التعليم لا يزيد الثقة بالعلم ولا يخفف من جاذبية المعتقدات والنظريات التي يعتبرها العلماء كلاما فارغا، بل على العكس من ذلك فعادة ما يرفض المواطنون الأكثر تعليما أن يملي عليهم الخبراء ماهية العلم الذي يمثل الحقيقة، فهؤلاء يشعرون بأنه بحصولهم على المعرفة فإنها قد تمكنهم لدرجة تكفي لنقد أصحاب المعرفة وتطوير آراء خاصة بهم.

إن التواضع والإجراءات الدقيقة ومنع تضارب المصالح والقدرة على الإقرار بالأخطاء ومعاقبة السلوك الاحتيالي هي أمور مطلوبة من أجل استعادة ثقة المواطنين.

كما أننا حاجة لمراجعة المناهج من أجل تزويد مواطني المستقبل بالأدوات الفكرية التي سيحتاجون إليها من أجل التمييز بين الحقيقة والخيال، فالمجتمع سوف يكسب من وجود مواطنين تكون عقولهم أقل تشككاً وأكثر نقداً.

وأخيراً، نحن بحاجة لأماكن أخرى للحوار والجدل المستنير، فالمجلات الجادة والدوريات التي تعنى بالشؤون العامة والصحف عادة ما كانت تملأ الفراغ في خضم الدوريات التي يراجعها النظراء والعدد الكبير من الخدع والحيل، ولكنها جميعا تصارع للبقاء في خضم هذه الثورة الرقمية. نحن بحاجة لأماكن أخرى -ربما مؤسسات جديدة- لملء الفراغ. إن من الواضح أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر إذا تم تركها فارغة.

* أستاذ في كلية هيرتي للإدارة العامة في برلين.

 

 

طباعة Email