00
إكسبو 2020 دبي اليوم

صداع البريكسيت في أوروبا

كانت ردة فعل السوق لصدمة البريكسيت خفيفة بالمقارنة مع الحلقتين الأخيرتين من التقلب المالي العالمي: صيف عام 2015 «بعد المخاوف من الهبوط الصيني الحاد» والشهرين الأولين من هذا العام «بعد تجدد المخاوف حول الصين، بالإضافة إلى المخاطر العالمية الأخرى». وكانت الصدمة إقليمية بدلا من عالمية، بالنظر إلى تأثير السوق في المملكة المتحدة وأوروبا. واستمر التقلب فقط حوالي أسبوع، مقارنة مع الحلقتين السابقتين ذات المخاطر الشديدة، واللتان استمرتا نحو شهرين وأدتا إلى تصحيح حاد في الولايات المتحدة وأسعار الأسهم العالمية.

لماذا هذه الصدمة المؤقتة الخفيفة؟

بداية، حسابات المملكة المتحدة لا تتعدى 3 ٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. على النقيض من ذلك، تمثل الصين (ثاني أكبر اقتصاد في العالم) 15٪ من الناتج العالمي وأكثر من نصف النمو العالمي.

وعلاوة على ذلك، فإن الوحدة التي أظهرها الاتحاد الأوروبي بعد البريكسيت، جنبا إلى جنب مع نتيجة الانتخابات الإسبانية قد خففت من المخاوف أن الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو سوف ينهار في وقت قصير. وعزز التحول السريع للحكومة في المملكة المتحدة الآمال بأن مفاوضات الطلاق مع الاتحاد الأوروبي، ولو كانت وعرة، سوف تؤدي إلى تسوية تحافظ على معظم الروابط التجارية من خلال الجمع بين ولوج كبير إلى السوق الواحدة مع وضع قيود متواضعة على الهجرة.

الأهم من ذلك، استنتجت الأسواق بسرعة أن صدمة البريكسيت من شأنها أن تؤدي إلى مزيد من التراضي بين البنوك المركزية الكبرى في العالم. في الواقع، كما هو الحال في مخاطر الحلقتين السابقتين، ساندت سيولة البنك المركزي الأسواق والاقتصادات.

ولكن تم تأجيل خطر عدم الاستقرار الأوروبي والعالمي فقط لفترة وجيزة. وإذا تركنا جانبا المخاطر العالمية الأخرى (بما في ذلك تباطؤ النمو في الولايات المتحدة بالفعل، والخوف من الهبوط الحاد للصين، ضعف أسعار النفط والسلع، والهشاشة في الأسواق الناشئة الرئيسية)، وهناك الكثير من الأسباب تدعو للقلق في أوروبا ومنطقة اليورو.

أولاً، إذا طالت وتعقدت إجراءات الطلاق بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، ستعاني الأسواق والنمو. وقد يدفع الطلاق القبيح أيضا اسكتلندا وايرلندا الشمالية لمغادرة المملكة المتحدة. في هذا السيناريو، قد تطالب كاتالونيا أيضا الاستقلال عن إسبانيا. وبدون المملكة المتحدة يخشى الدنمارك والسويد، واللتان لا تخططان للانضمام إلى منطقة اليورو، أن تصبحا عضوين من الدرجة الثانية في الاتحاد الأوروبي، مما سوف يؤدي بهما إلى التفكير في المغادرة كذلك.

ثانياً، تعد الانتخابات المقبلة بمثابة حقل ألغام سياسي. سوف تتم إعادة الانتخابات الرئاسية في النمسا في شهر سبتمبر بعد أن انتهى بالتعادل الظاهري سابقاً، وستعطى فرصة أخرى لرئيس حزب الحرية اليميني المتطرف نوربرت هوفر. وفي الشهر الموالي، سيجرى استفتاء في المجر، بمبادرة من رئيس الوزراء فيكتور أوربان حول نظام الحصص المقترح من قبل الاتحاد الأوروبي بشأن إعادة توطين المهاجرين. والأهم أن إيطاليا ستجري استفتاء على التعديلات الدستورية، وإذا تم رفضها، ستصبح عضوية البلاد في منطقة اليورو في خطر حقيقي.

وتعتبر إيطاليا حاليا الحلقة الأضعف في منطقة اليورو. فقد أصبحت حكومة رئيس الوزراء ماتيو رينزي مهزوزة سياسياً، بالإضافة إلى النمو الاقتصادي المتدني، والبنوك في حاجة إلى رأس المال، الشيء الذي سيجعل تحقيق الأهداف المالية للاتحاد الأوروبي صعباً بدون إحداث ركود آخر. وإذا فشل رينزي - وهذا ممكن على نحو متزايد - فإن حركة خمس نجوم المناهضة لليورو (التي فازت أخيرا بشكل جيد في الانتخابات البلدية) يمكن أن تصعد إلى السلطة في وقت مبكر من العام المقبل.

وإذا حدث ذلك، فإن مخاوف مغادرة اليونان لأوروبا عام 2015 ضئيلة بالمقارنة مع إيطاليا، ثالث أكبر عضو في منطقة اليورو. وفشلها سيكلف أكثر. ولكن، بالنظر إلى الدين العام في إيطاليا الذي هو عشر مرات أكبر من اليونان، فهو أيضا ضخم جدا ولا يمكن حفظه. ولا يوجد برنامج في الاتحاد الأوروبي يستطيع مساندة إيطاليا بمبلغ تريليونين يورو (2.2 تريليون دولار) من الدين العام ( أي 135٪ من الناتج المحلي الإجمالي).

وحتى نهاية الجولة المقبلة من الانتخابات، من غير المرجح أن تتخذ أي خطوات لاستكمال الوحدة النقدية التي لم تنته بعد، من خلال تقاسم المخاطر وتسريع الإصلاحات الهيكلية لتشجيع تقارب اقتصادي أسرع في الاتحاد الأوروبي. ونظرا لبطء الإصلاحات حاليا (وشيخوخة السكان)، لا يزال النمو المحتمل منخفضاً، في حين أن النمو الفعلي ضعيف والانتعاش المحتمل معتدل جدا، حيث بات مهددا من قبل الشكوك والمخاطر المترتبة على ما بعد البريكسيت.

ومن غير المرجح أن تتفكك منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي فجأة. فالعديد من المخاطر التي يواجهها هي على فتيل بطيء. ويمكن بالطبع تجنبه التفكك من خلال رؤية سياسية توازن بين الحاجة إلى مزيد من التكامل والرغبة في درجة معينة من الاستقلال الوطني والسيادة على مجموعة من القضايا.

ولكن إيجاد طرق ديمقراطية ومقبولة سياسيا للاندماج أمر حتمي. فقد أدى التخبط إلى وضع غير مستقر من شأنه أن يجعل تفكك الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو أمراً لا مفر منها. ونظراً لكثرة المخاطر التي تواجه أوروبا، هناك حاجة إلى رؤية جديدة الآن.

* الرئيس التنفيذي لشركة روبيني شركاء، وأستاذ بكلية الاقتصاد في كلية ستيرن لإدارة الأعمال، جامعة نيويورك.

طباعة Email