00
إكسبو 2020 دبي اليوم

تكاليف خروج اليونان

ت + ت - الحجم الطبيعي

في وقت سابق من هذا الأسبوع، وبعد أيام من المناقشات المحتدمة، توصلت الحكومة الجديدة في أثينا إلى اتفاق مع دائنيها في منطقة اليورو يشمل حزمة من الإصلاحات الفورية وتمديدا لمدة أربعة أشهر لبرنامج المساعدات المالية. ولكن برغم الارتياح الجماعي في أوروبا، فإن التسوية لا تستبعد الحاجة إلى المزيد من المفاوضات الشاقة على برنامج جديد للمساعدات المالية والذي يجب تقديمه بحلول نهاية يونيو.

في أي مفاوضات، هناك متغير أساسي يؤثر على سلوك المشاركين، وبالتالي فإن النتيجة هي ما قد يترتب على الفشل في التوصل إلى اتفاق من تكاليف على كل منهم. وفي هذه الحالة، فإن القضية تتلخص في تكاليف خروج اليونان من منطقة اليورو ــ وهو الاحتمال الذي خضع لمناقشات واسعة النطاق في وسائل الإعلام طيلة جولة المفاوضات الأخيرة، في ظل قدر كبير من التكهنات حول موقف مختلف اللاعبين، وخاصة الحكومتين اليونانية والألمانية.

من منظور اليونان، سوف يكون ترك اليورو هدّاماً إلى حد كبير، وهو ما يفسر لماذا لا تحظى فكرة الخروج إلا بأقل القليل من التأييد في البلاد. ولكن ماذا عن تكاليف خروج اليونان بالنسبة لبقية منطقة اليورو؟ منذ طُرِح هذا السؤال لأول مرة في الفترة 2011-2012، ظهر رأيان متعارضان.

الأول -الذي وُصِف بنظرية الدومينو- يزعم أن خروج اليونان يعني أن الأسواق سوف تبدأ على الفور التساؤل حول من التالي. وأن مصير دول أخرى سوف يصبح موضع تساؤل، كما حدث خلال أزمة العملة الآسيوية في الفترة 1997-1998 أو أزمة الديون السيادية الأوروبية في الفترة 2010-2012. وقد يلي ذلك تفكك منطقة اليورو، ويزعم الرأي الآخر -الذي وُصِف بنظرية الثِقَل الموازن- أن منطقة اليورو سوف تزداد قوة في واقع الأمر بفِعل انسحاب اليونان.

ذلك أن الاتحاد النقدي سوف يتخلص من مشكلة متكررة، وسوف يعزز قرار منطقة اليورو بالسماح لليونان بالخروج أو دعوتها إلى الخروج من مصداقية قواعدها. كما يزعم هذا الرأي أن أي دولة لن يصبح بوسعها بعد ذلك أن تبتز شركاءها.

في عام 2012، بدت نظرية الدومينو واقعية إلى الحد الذي جعل البلدان الدائنة بإسقاط خيار خروج اليونان. وبعد فترة من التأمل والتفكير خلال الصيف، ذهبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى أثينا وأعربت عن «آمالها وتمنياتها» بأن تظل اليونان في منطقة اليورو، ولكن الوضع اليوم مختلف. فقد هدأ توتر الأسواق بشكل كبير؛ ولم تعد أيرلندا ولا البرتغال خاضعة لبرامج المساعدات؛ كما تعزز النظام المالي في منطقة اليورو بفِعل قرار الانتقال إلى الاتحاد المصرفي؛ وبدأت أدوات إدارة الأزمة تعمل. وعلى هذا فإن التفاعل المتسلسل نتيجة لخروج اليونان سوف يكون أقل ترجيحا، ولكن هذا لا يعني أن الخسارة لن تكون ضارة.

فهناك ثلاثة أسباب تجعل خروج اليونان قادراً رغم كل شيء على إضعاف الاتحاد النقدي في أوروبا إلى حد خطير.

فأولاً وقبل كل شيء، سوف يدحض خروج اليونان افتراضاً ضمنياً بأن المشاركة في اليورو غير قابلة للإلغاء. وصحيح أن التاريخ يعلمنا أن أي التزام غير قابل للإلغاء: فوفقاً لتقديرات ينس نوردفيج من نومورا للأوراق المالية، حدثت 67 حالة انهيار لاتحادات العملة منذ بداية القرن التاسع عشر. وأي خروج من منطقة اليورو من شأنه أن يزيد من الاحتمال المتصور بأن دولاً أخرى قد تحذو حذوها إن آجلاً أو عاجلا.

وثانيا، الخروج من شأنه أن يثبت صحة كلام أولئك الذين يعتبرون اليورو مجرد ترتيب معزز لسعر الصرف الثابت، وليس عملة حقيقية. تعتمد الثقة في الدولار الأميركي على حقيقة عدم وجود فارق بين الدولار الذي يحتفظ به بنك في بوسطن ودولار آخر في سان فرانسيسكو.

ولكن منذ أزمة 2010-2012 لم يعد هذا صحيحاً بالكامل بالنسبة لليورو. فقد انحسر التفتت المالي ولكنه لم يختف، وهذا يعني أن القرض المقدم إلى شركة في النمسا لا يحمل نفس سعر الفائدة على قرض مقدم إلى نفس الشركة على الجانب الآخر من الحدود الإيطالية. وقد تخصص منتقدون مثل الخبير الاقتصادي الألماني هانز فيرنر سِن في تتبع التعرض لخطر التفكك.

لم يعد أي من هذا قاتلاً في الوقت الحالي، وذلك نظراً للمبادرات التي اتخذت في السنوات الأخيرة؛ ولكن من الخطأ أن نفترض أن الثقة الكاملة قد استعيدت. ومن المؤكد أن المواطنين الأوروبيين سوف يستجيبون لانسحاب إحدى الدول (أو طردها) من منطقة اليورو بالبدء بالنظر إلى العملة بطريقة مختلفة. وسوف يصبح السؤال المطروح هو أين يحتَفَظ باليورو. ذلك أن المستثمرين المحليين والأجانب سوف يدققون بشكل أوثق في ما إذا كانت قيمة أي أصل قد تتأثر بتفكك الاتحاد النقدي.

وأخيرا، من المؤكد أن الخروج من شأنه أن يرغم صناع السياسات في أوروبا على إضفاء الطابع الرسمي على القواعد غير المكتوبة بل وحتى غير المحددة حتى الآن للتخارج. حيث لا يوجد أي قواعد متفق عليها لاتخاذ القرار بشأن كيفية تنفيذ التحول إلى عملة جديدة. وخروج اليونان يستلزم تحديد هذه القواعد، وبالتالي توضيح قيمة اليورو، اعتماداً على المكان حيث يحتَفَظ به، ومن يحتفظ به، وفي أي شكل. والواقع أن هذا لن يجعل تصور خطر التفكك أكثر احتمالاً فحسب؛ بل إنه يجعله أيضاً ملموساً بشكل أكبر.

لا شيء من هذا يعني أن بلدان منطقة اليورو لا بد أن تكون مستعدة لتحمل الثمن المطلوب لإبقاء اليونان داخل منطقة اليورو أياً كان. فهذا يرقى إلى الاستسلام بوضوح. ولكن لا ينبغي لها أن تحمل أية أوهام أيضا: فقد لا يكون هناك ما نستطيع أن نطلق عليه وصف الخروج اليوناني السعيد.

 

* أستاذ في كلية هيرتي للإدارة في برلين، ويشغل حالياً منصب المفوض العام للحكومة الفرنسية لشؤون تخطيط السياسات.

طباعة Email