منتخبات هجينة

باختتام مباريات الدور ربع النهائي، اكتمل عقد المنتخبات الأربعة التي ستشكل مربع الكبار، مونديال روسي سمته الأبرز مفاجآت سحبت البساط من تحت أقدام نجوم ومنتخبات كانت تبدو في الماضي القريب كالبعبع الذي يستحيل حتى إزعاجه، فكان السقوط الألماني، تلاه فشل ميسي ورونالدو، ثم خروج الإسبان والبرازيل.. المنتخب الوحيد الذي لم يخلف الميعاد كان منتخب الديكة الفرنسي بقيادة ثلة من نجوم العالم، لم يتخلف عن موعد نصف النهائي بعد أن أجمع النقاد قبل ضربة بداية المونديال على قدرة الديوك في السير إلى أبعد نقطة كما فعلوا قبل سنتين في العرس الأوروبي، قبل الخسارة في آخر الأنفاس أمام البرتغال.

مربع روسي بنكهة أوروبية صرفة، فهل انتهى زمن الكرة اللاتينية؟.. ألم تعد البرازيل والأرجنتين بكل نجومها قادرتين على الوقوف في وجه منتخبات أوروبا المجتهدة التي تشتغل بترسانة من الخبراء يدققون كل صغيرة وكبيرة من أجل تطوير اللعبة وعدم ترك أي شيء للحظ و الصدفة؟.. هل انقضى زمن مقولة إن اللاتينيين يولدون بجينات كروية فلا مجال لمضاهاتهم؟ هل سنشهد في السنين المقبلة تغييراً كفيلاً بقلب خارطة الكرة؟

بالنظر للمستوى العام المونديال الحالي، تمكن منتخبا فرنسا وبلجيكا لحد الساعة من التغريد خارج السرب، وتقديم مستوى تقني وبدني هائلين بالمقارنة مع الباقين، الفريقان اللذان سيلعبان يوم الثلاثاء لتحديد من سيبلغ المباراة النهائية كانا في الموعد، أداء متوازن، دفاع شرس وهجوم ضارب، وبالأخص دكة بدلاء قوية تقدم في كل مرة حلولاً وإضافات في المستوى المطلوب.. فماذا تغير بالأساس في استراتيجية هذا النوع من المنتخبات؟.. الجواب بكل بساطة يكمن في فك عقدة اللاعب الأصلي والاعتماد ولو بنسب كبيرة على أبناء المهاجرين ممن دفعتهم قساوة العيش في أفريقيا أو أوروبا الشرقية للبحث عن حياة أفضل.. نجوم مثل مبابي، ولوكاكو، وبوغبا، وآخرون لم تكن فرنسا أو بلجيكا لتنجب لاعبين في مستواهم لولا هجرة آبائهم، وفي الجانب الآخر لم يكن لمثل هؤلاء اللاعبين الشباب بلوغ هذه الدرجة من العالمية لولا تكوينهم وتدرجهم في مدارس كروية ذات صيت عالمي تشتغل بأحدث تقنيات الإعداد البدني والنفسي.

استوعبت بعض الدول الأوروبية الدرس جيداً، وفي مقدمتها فرنسا وبلجيكا، فزاد اعتمادها منذ وقت ليس بالقريب بشكل كبير على اللاعبين المزدادين بفرنسا ذوي الأصول الأفريقية، بالنظر للتشكيل الفرنسي خاصة نجد أنه مكون في أكثر من 70% من هذه الشريحة التي أصبحت تمثل دعامة أساسية يستحيل الاستغناء عنها.. فهل يمكن تخيل منتخب الديوك بدون بوغبا ذي الأصول الغينية، أو بدون رئة الفريق كانتي ذي الأصول المالية، أو حتى بدون أومتيتي، ومبابي ذوي الأصول الكاميرونية.

دائماً وفي سياق الحديث عن اللاعب الأفريقي لا يمكن إغفال مواهب شمال أفريقيا المتناثرة هنا وهناك، فمنها ما يصنع ربيع بعض المنتخبات، كما حصل في لقاء بلجيكا واليابان، حيث تمكن كل من مروان فلايني، وناصر الشاذلي ذوي الأصول المغربية من قلب نتيجة مباراة كانت ستعرف مصيراً كارثياً، وإقصاءً مبكراً للشياطين الحمر.

الخامة الأفريقية التي وجدت العناية اللازمة في أرض غير أرضها بزغ نجمها وأصبحت عملة صعبة في ميدان كرة القدم.. لكن يبقى السؤال المطروح دائماً: هل ينقص شيء من روح الوطنية في أداء هاته النجوم؟.. أم أنه في كل مرة يبدأ بريقها في الأفول، يتخلى عنها؟ بل تصبح في كثير من الأحيان شماعة يعلق عليها فشل فريق بأكمله.

تعليقات

تعليقات