فات الميعاد

لم تستطع المنتخبات العربية الصمود في خضم المنافسة المونديالية أكثر من عشرة أيام، مرةً أخرى سقطنا الواحد تلو الآخر، سقوط حر غير منافٍ لجلّ ما جادت به المشاركات السابقة، بدأت بالإخفاق المدوّي للمنتخب السعودي في مباراة الافتتاح بالخمسة أمام المستضيف الروسي، فتلاه الإخفاق المصري والمغربي، ثم التونسي، في تضامن منقطع النظير على تكريس عقدة الفشل.

الخاسر الأكبر من كل هذه الإخفاقات لم يكن إلا الجمهور العربي الذي ربما بالغ في تمنياته فشدّ الرحال بقوة إلى بلاد الروس، جحافل من مختلف البلدان العربية قطعت آلاف الكيلومترات، فتكلفت عناء ومصاريف رحلة كان المراد منها سرقة لحظة أو ربما لحظات فرح في غمرة صعوبة ومشاقّ الحياة، لكن لا جديد، فتلك المنتخبات التي يُصرف عليها من جيوب المواطنين من خلال دفع الضرائب لتوفير كل الإمكانيات التقنية واللوجيستيكية لم ترق إلى مستوى التطلعات، السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة: هل نحن فعلاً في حاجة إلى صرف كل هاته الأموال على منتخبات لا تقدم أدنى المستويات المطلوبة في الكرة القدم؟ وماذا ينقص العرب لتكوين فرق قادرة على مجاراة نسق الفرق الكبرى والوقوف في وجه عمالقة الكرة كما تفعل دول صغيرة مثل كرواتيا والمكسيك؟

أيسلندا.. دولة مصنفة في المراكز الأولى عالمياً لمؤشر الرخاء الاجتماعي، 350000 نسمة لم تكن قبل عشر سنوات في ميزان الإعراب الكروي، فرغم قلة الممارسين استطاعت خلق استراتيجية للمدى المتوسط والطويل، وقد شاهد العالم فريقاً قوياً قادراً على تحقيق مستويات جيدة في يورو 2016 وتحقيق تعادل رائع أمام أصدقاء ميسي في مونديال الروس، ورغم الإخفاق الأخير أمام نسور نيجيريا يبقى الأمل الأيسلندي قائماً إلى آخر الدقائق.

بالنسبة إلى العرب، فرغم الإقصاء المبكر، يبقى المستوى الذي قدمه المنتخب المغربي أفضل ما قدمه العرب في المونديال الحالي، وخصوصاً في المباراة التي جمعته بنظيره البرتغالي، بطل أوروبا، حيث أجمع الكل على علو كعب الفريق المغربي وأحقيته في تحقيق الفوز والنقاط الثلاث لولا الحظ العاثر، المنتخب الجزائري في دورة البرازيل كان متألقاً واستطاع خطف قلوب المتتبعين بمهاراته العالية واستعداده البدني الهائل، فهل هي مجرد مصادفة؟ بالطبع لا، فبالنظر إلى الزاد البشري المكوّن لهذين الفريقين يتضح جلياً أن الاعتماد في الأساس يكون على أبناء المهاجرين الذين ترعرعوا في مراكز التكوين الأوروبية ذات الصيت العالمي، منهم من لم يحالفه الحظ في الالتحاق بتلك المنتخبات لأسباب تنافسية وتقنية، ومنهم بالفعل من حركته نوازع الأصل، فاختار قميص الآباء رغم الإغراءات في حين، وبعض المضايقات في أحيان أخرى، هي في الأصل منتخبات أوروبية رديفة بأقمصة المغرب أو الجزائر، لاعبون خبروا الملاعب الأوروبية والمنافسات ذات الطابع العالي.

كرة القدم مثل باقي المجالات تعرف تطوراً سريعاً يوماً بعد يوم، إدخال التكنولوجيات الحديثة وتطوير أساليب الإعدادات النفسية والبدنية منذ الفئات السنية الأولى أصبح من الضرورات القصوى لتنشئة جيل كروي قادر على التألق، فمن الحري بنا عوض أن نصرف ملايين الدولارات على جيل أقل من متوسط محدود الآفاق، أن نهتم بنظرة استشرافية لجيل سيأتي بعد حين، ونركب جميعاً في قطار التكوين الحقيقي، لنرى ربما ذات يوم فريقاً عربياً قادراً على حمل كأس العالم، وألا نقول في كل محطة من محطات التاريخ: تباً.. فات الميعاد.

تعليقات

تعليقات