سر الشغف بالمعرفة ٢

في الدراسات الفيزيولوجية الكهربية يوجد نمط معين من الموجات الدماغية الكاملة التي تُظهِر ما يفعله الدماغ عندما يتوقّع شيئاً ثم يحدث عكسه، أو عندما يفشلُ الدماغ في توقعاته، إذ إنه يقومُ بإتلاف أوجه التعلم التي تلقّاها في الفصلِ الدراسي، متأثراً بما يجري في بيئتهِ التفاعلية مع الآخرين، لأنَّ التوقّع الذي يجري في داخل الدماغ محكومٌ بقواعد الخلايا العصبية، وهذه الأنماط من السلوك اكتشفها عالم الأعصاب (دونالد هيب)، وأوجزها في: أنَّ الخلايا التي تتحد في لحظات متـزامنة تترابط معاً، وهذا ما يؤكد أهمية الوقت الذي يقوم فيه الدماغ بتسلُّمِ المعلومات وكيفيتها ومدتها وفهمها، كما أنّ هذا التسلسلَ يجمع الأركان الأساسية للتعلم معاً، والفشل في إجراء التسلسل الملائم في بسط المعلومة قد يؤدي إلى الاضطراب والفوضى وعدم الاستيعاب.

ونظراً لأهمية الموضوع خصصت جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات عدة قسماً لمعلمي المستقبل، هدفه العناية بالابتكار في التعليم، والفهم الأوسع لأكثر مناطق الدماغ نشاطاً عند تعلم مهارة ما، حيث يدرس هذا القسم نشاط الجهاز العصبي للأشخاص الذين يقبلون على تعلمَ لغة جديدة، وبمقارنة النشاط الدماغي عند تلقي الدارس كلمات من مواضيع مختلفة توصلوا لاستنتاج مفاده أنّ الصعوبة لا تكمن في تعلم مهارة جديدة، وإنّما تكمن بمدى إدراك الدماغ لهذه المهارة.

وفي كل يوم يدخل ملايين الطلاب إلى المدارس وهم يجدون في أنفسهم رغبة شديدة في التعلم، لكنْ كثيراً ما يتحول التفاؤل إلى دوامةٍ من الطموح المحبط، نظراً لما يجدُ الطلاب مِن اختبارات متصاعدة، وارتفاع في سلَّم درجات النجاح، أو عندما يواجهون الفشل شخصيّاً، ويظنُّ كثيـر من المعنيين بالشؤون التربوية أنّ أحد أسباب معاناة الطلاب في المدرسة ما هو إلّا أنـهم كُسالى، ولكنّ الاكتشافات العلمية الحديثة أظهرت أنّ هنالك بنية تحتية لأسباب دماغية تؤثر في المستويات الدراسية للطلاب، وأنّ المسألة ليست مرتبطة بالاجتهاد أو الكسل، ومما يوضح ذلك أنّ الرغبةُ في القراءة عمليةٌ غير فطرية، وإنّما هي مهارة قابلةٌ للتطوير بالتعلم، فالطفلَ لكي يحسن القراءة يحتاج إلى التدريب كي يتكيف دماغه مع هذه المهارة الجديدة، لذا يجب أنْ تتمَّ صياغةُ عملية تعليمنا للطلاب بطرقٍ تتناسبُ مع الكيفية التي يعملُ بها الدماغ عند تلقي المعلومة، أو عند تعلم مهارةٍ جديدة، مع مراعاةِ التسلسل الذي يتم به إعداد الطالب لتلقي المعلومة، ووقت طرح المعلومة، مع مراعاة التنويع في الأساليب، وألّا يتقيد المربّون بأسلوب معين أكثر من سواه.

 

طباعة Email