المانيفستو الاستراتيجي السعودي

لا يمكن التعامل مع مقابلة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الأخيرة مع صحيفة الشرق الأوسط إلا في سياقها الطبيعي، باعتبارها بياناً حاسماً لمواقف المملكة الشقيقة من القضايا الاستراتيجية سعودياً وإقليمياً، فالأمير الشاب، ووزير دفاع بلاده، لا يملك ترف التفكير قصير الأمد، حتى ولو احتاج إليه مرحلياً.

من هنا، تعمدت أن أقرأ مقابلة سموه من منظور العمق الاستراتيجي لسياسات المملكة، التي يعيد تعريفها هذا القائد الشاب لجيل جديد من السعوديين، ولشكل جديد من علاقات السعودية خليجياً وإقليمياً وعالمياً، دون قطيعة مع الماضي التليد الذي بنيت على أساسه ركائز سياسة المملكة داخلياً وخارجياً.

على الصعيد الداخلي، أكد الأمير أن الأولوية هي للمصلحة الوطنية وتحقيق تطلعات الشعب السعودي، وهذا طبيعي، لكنه أضاف إن ذلك «يتطلب بيئة مستقرة ومحفزة داخل المملكة وفي المنطقة، لذا ستجد أن دور المملكة، سواء في منطقة الخليج أو في شمال أفريقيا أو في منطقة القرن الأفريقي وغيرها، هو دور داعم للاستقرار والسلام».

هذه ركيزة مهمة في استراتيجية السعودية داخلياً وإقليمياً تجعل السلم الإقليمي متطلباً نوعياً للرخاء الداخلي، ومع أن الأمير لم يكن هنا يرد على أي مزاعم، إلا أن وضعه لهذه الركيزة في إطارها الاستراتيجي يمثل رداً على كل من يدّعي رغبة المملكة بالدخول في أي صراعات لا مبرر لها.

ولكن غياب هذه الرغبة لا يعني الاستسلام للتهديدات، سواء من إيران أو من عملائها أو من الإرهاب ورعاته، لذلك يرسي الأمير ركيزة أخرى تتمثل في عدم الخضوع لأي تهديد، مذكّراً في الوقت نفسه بأن للمملكة «دوراً مهماً في المجتمع الدولي من أجل تأمين وصول إمدادات النفط عبر الممرات الحيوية التي تحيط بها، وذلك في سبيل حماية استقرار الاقتصاد العالمي».

وإذ يؤكد ولي العهد السعودي دعم المملكة لحل سياسي في اليمن ضمن مرجعيات قرار مجلس الأمن الدولي 2216 والمبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني الشامل، لا ينسى التذكير بطموحاته للمنطقة لأنه «يجب ألا نكون أسرى لأوضاع راهنة مؤقتة تمنعنا من العمل على تحقيق واجبنا الأول بصفتنا قادة في المنطقة، وهو النهوض بدولنا. ويجب ألا تشغلنا تحديات اليوم عن العمل بشكل حثيث لتحقيق مستقبل أفضل للأجيال القادمة».

هذه المواقف وغيرها مما احتوته المقابلة تمثل دليلاً إلى العقل الاستراتيجي السعودي، ومنطلقاً لفهم سياسات المملكة في الحاضر والمستقبل، وتستحق أن تستخدمها الدول المختلفة مرجعاً مهماً للعمل مع السعودية والتعامل مع قادتها، بدلاً من التركيز الأعمى على المملكة كسوق تجارية فقط.

أخيراً، ما دمنا نتحدث عن القضايا الاستراتيجية، غني عن التذكير أن الأمير محمد بن سلمان لم يشغل نفسه ولا جمهوره بالحديث في القضايا الصغيرة جداً، مثل قضية قطر... لا لشيء إلا لأنها فعلياً صغيرة جداً!.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات