ولائم حوار الحضارات

من القيم الرمضانية المرتبطة بالعادات والتقاليد، قيم الكرم والجود والبذل والسخاء، فتجد الناس تحرص على توفير الإفطار للصائمين، بل إن هناك تسابقاً وتنافساً يصل أحياناً لحد الخصومة بين المتنافسين من أجل الأسبقية في فعل الخير، أو توفير طعام الإفطار للفقراء، كما حدث عندنا في الفريج، الله يتقبل من الجميع.

الكرم والجود مرتبط بالشخصية الإماراتية منذ القدم، وبالرغم من قلة الموارد في الماضي، غير أن الإماراتي لم يتخلَ يوماً عن كرمه وجوده بكل ما لديه، لأن ذلك جزء من العادات والتقاليد، فتجده، على فقره، حريصاً على إكرام ضيوفه، حتى لا يقع عليه «المنقود» ويوصف بالبخل.

اليوم، مع توفر الخيرات والنعم، أصبح الكرم أمراً طبيعياً ومعتاداً، وتراه بشكل كبير في العزائم والولائم الرمضانية، التي تزداد في رمضان، والتي تمثل نوعاً من التواصل بين الأهل والأقارب والأصدقاء، بل إنها قد تمتد لتتحول إلى تواصل حضاري بين الثقافات المختلفة، فتجد في بعض العزائم حضور من مختلف الجنسيات والأعراق، بل والديانات، ما يخلق نوعاً من التواصل الحضاري، يتعرفون فيها إلى عاداتنا وتقاليدنا، ويستمتعون بكثرة الطعام وأنواعه ومذاقاته.

هل يعني ذلك أن الطعام قد يشكل وسيلة للتقارب الحضاري، أو الحوار بين الحضارات، ربما، فقد رأيت إعجاب الأجانب بأطباقنا المحلية.

أعتقد أن عاداتنا الإماراتية التي تتشكل عادة من منظومة من القيم، مثل التسامح والانفتاح والتعايش مع الآخرين، أصبحت تشكل مكونات التعددية الثقافية في الإمارات، ما يجعلها اليوم عاصمة عالمية للتعايش، فكما هو معروف، هناك أكثر من مئتي جنسية يعيشون على أرض الدولة بتناغم وتجانس، حيث تتحاور الثقافات، وتلتقي حضارات الشرق والغرب، وتعمل سوياً من أجل تعزيز الأمن والسلام والتواصل بين الشعوب، ربما ذلك ما يجعل الإمارات مقصداً يؤمه الجميع من مختلف أنحاء العالم.

والأغرب أنه يمكنك مشاهدة كل هذا التناغم والتجانس في مكان واحد طوال شهر رمضان، فيبدو ذلك جلياً في جامع الشيخ زايد الكبير، حيث يعتبر الإفطار الجماعي الذي يوفره الجامع، فرصة لترسيخ قيم التسامح والتواصل مع الثقافات المختلفة، من خلال دعوة الجمهور من غير المسلمين، ومن مختلف الثقافات، لزيارة الجامع، وتناول طعام الإفطار مع المسلمين الصائمين، بل ويشاهدون إطلاق مدفع الإفطار، فيتعرفون إلى عاداتنا وتقاليدنا وطقوسنا في هذا الشهر الفضيل، ويستشعرون روحانية الشهر ومعانيه النبيلة، ويبرز الدور الذي يقوم به هذا الجامع في دعم قيم التواصل الحضاري والإنساني، التي رسخها المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في نفوس أبناء الإمارات.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات