«تداعى لهُ سائر الجسد»

باتت العلاقة بين ما يصيب النفس والجسد أكثر وضوحاً للإنسان من أي وقت مضى. فقد أثارت أجهزة الجسد وآليات عمل كل منها فضول علمنا الحديث، وما زالت تدهشنا كل يوم بروابط وعلاقات لم تكن في الحسبان، وبنتائج بحثية تخبرنا يوماً بعد يوم، أن الصحة أشمل وأوسع من أن تكون نتاج عامل واحد أو آليات معدودة، بما فيها الآليات الجسدية، بالإضافة إلى تلك التي تؤثر وتتأثر بالحالة النفسية والروابط الاجتماعية.

إن المطلع على ما يتوصل إليه الباحثون، سيجد الكثير من أمراض القلب والمشكلات الجسدية المزمنة، المرتبطة ارتباطاً مباشراً بتكرار الضغوط النفسية. والكثير من المشكلات النفسية، الناتجة عن سوء التغذية وقلة النشاط والعناية بالجسد. والكثير من العافية وقوة المناعة، حين تكون النفس بكامل قواها واطمئنانها. والكثير من الصحة وبقاء الذاكرة بعد عمر مديد، بوجود روابط اجتماعية مستقرة. هذا على سبيل المثال لا الحصر.

حين نتحدث اليوم عن تحسين جودة حياة الإنسان، أصبح حديثنا عن بعد واحد غير كافٍ، فالعوامل الصحية والنفسية والاجتماعية، تتداخل وتتمازج بطريقة تجعل كلاً منها لا يقل أهمية ولا تأثيراً عن الآخر. ونرى اليوم جهوداً حكومية مكثفة، بالإضافة إلى شراكات واتفاقيات تعكس ذاتَ التداخل والتمازج، لاحتواء كل هذه العوامل، من أجل مجتمع أكثر صحة وإنتاجية وسعادة.

بقي أن ندرك أكثر، أن كل خطوة نخطوها نحو غذاء وجسد أكثر صحة، هي خطوة أخرى تقربنا من حياة أكثر طمأنينة وسعادة. وأن النفس المنهكة إذا أخذها صاحبها إلى مختص لطلب المساعدة النفسية، أنقذها بذلك أيضاً من فقدان جزء كبير من عافيتها الجسدية. وأن ما يغرسه الآباء والمعلمون والمربون في الأطفال من عادات صحية وعقلية إيجابية، تقرر مصيراً وتمنحُ ضماناً وأماناً جسدياً ونفسياً على حدٍ سواء، وعلى مدىً طويلٍ جداً من أعمارهم. وأن استثمارنا في علاقاتنا الاجتماعية اليوم، وبناء أسرٍ مستقرة أو صداقات وثيقة، هو استثمارٌ في جودة حياتنا وقوانا ودوام ذاكرتنا بعد الكبر. وأن أفضل وقتٍ لاتخاذ قرارات نحو صحة أفضل وسعادةٍ أكبر، هو الآن قبل الغد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات