تمتين التراصّ الاستراتيجي

لا يمكن النظر إلى الرؤية المشتركة التي أعلنتها دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية للتكامل بين البلدين اقتصادياً وتنموياً وعسكرياً عبر 44 مشروعاً استراتيجياً مشتركاً، إلا من زاوية تمتين وتعزيز التراصّ الاستراتيجي بين البلدين الشقيقين في زمن التحالفات العظمى والتقاء المصالح.

والواقع أن أفضل إيضاح للأسس التي بنيت عليها استراتيجية العزم بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات يتمثل فيما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، من أننا «نشكّل أكبر اقتصادين عربيين والقوتين الأحدث تسليحاً ونسيجاً اجتماعياً واحداً وشعبين يشكل الشباب أغلبيتهما يطمحان إلى قفزات تنموية كبيرة في البلدين».

ويضيف سموه أن اقتصاديْ البلدين الشقيقين يمثلان ناتجاً محلياً إجمالياً يبلغ تريليون دولار، وصادراتهما المشتركة هي الرابعة عالمياً بقيمة 750 مليار دولار، بينما تنفقان معاً 150 ملياراً سنوياً للبنية التحتية، ولديهما فرص هائلة واستثنائية للتعاون.

هذا الأساس المتين يتسق تماماً مع ما يشهده عالمنا اليوم من تحالفاتِ قوةٍ مثل تحالف بريكس العالمي (الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) وما سبقه من تحالفات مماثلة كالاتحاد الأوروبي وغيره، فلا مكان في عالم اليوم للمتفرقين، وإنما لتحالف المصالح الحقيقية القائمة على المبادئ. لذلك كان طبيعياً أن تأتي زيارة أسد الإمارات «بو خالد» للسعودية الشقيقة بعد زيارته الاستراتيجية والنوعية لروسيا الصديقة.

صحيح أن التحالف الاستراتيجي الإماراتي السعودي يحقق مصالح البلدين المباشرة، باعتباره يزيد قوتهما قوة، ويعززها ببعد تنموي واقتصادي وأمني وعسكري واعد، إلا أنه في الوقت نفسه يوفر للبلدين ذراعاً طولى لتحقيق مصالحهما الاستراتيجية بشكل فاعل، وما الدور المشترك للبلدين في كل من تحالف إعادة الشرعية في اليمن والتحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب إلا نموذج مميز.

وإذا نظرنا للمستقبل، يوفر هذا التحالف نواة صلبة لتحالف مستقبلي يضم ولو من باب الجوار الجغرافي كلاً من البحرين ومصر والأردن والكويت وربما المغرب، وأي أنظمة وطنية مستقبلية مسالمة ومستقرة في اليمن والعراق وسوريا وليبيا ليكون من ذلك نواة ناتو عربي ضارب لرعاية المصالح المشتركة للمجموع، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.

وأغلب الظن أن هذا هو ما قصده سيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو يقول: «لدينا فرصة تاريخية لخلق نموذج تكامل عربي استثنائي، وبتكاملنا وتعاضدنا وتوحدنا نحمي مكتسباتنا، ونقوي اقتصاداتنا، ونبني مستقبلاً أفضل لشعوبنا».

ومثل هذا التفكير الاستراتيجي الاستشرافي ليس جديداً ولا غريباً على قيادة الإمارات، لأنه مكون أساسي من مكونات العقيدة القيادية لهذا البلد، كيف لا ومؤسس الدولة الشيخ زايد، طيب الله ثراه، بذل الغالي والنفيس من أجل توحيد الإمارات، وما وراء الإمارات، وكان غفر الله له المحرك لتأسيس مجلس التعاون الخليجي.

لقد عمل زايد، رحمه الله، بجد وإخلاص من أجل توحيد الإماراتيين منذ كان حاكماً للعين، وها هو «ابن زايد» يبدأ مشواره العظيم من أجل توحيد الخليجيين والعرب، ولا غرابة فالهمم العظام لا تليق إلا بالرجال العظام.

تعليقات

تعليقات