ذكرياتي في كتبي

من أجمل ما يبقى للفرد في حياته هو ذكرياته، التي تذكره بالزمن الماضي أو الذي يمكن أن نطلق عليه الزمن الجميل، والزمن إما أن يبقيك حبيساً لهذه الذكريات أو ينساها في لحظة أو لا يتذكرها بسهولة، ولكنني من الأشخاص الذين يحسبون حساباً للذكرى، وللأشياء التي قد تذكرهم بتلك الفترة، ومن أهم هذه الأشياء الكتب.

يوم الثلاثاء الموافق 19 يناير 1982م عدت إلى المنزل من المدرسة وأنا كلي حماس لأخبر الوالدة والوالد بأنني اليوم أريد الذهاب إلى جناح معرض الكتاب المقام في مركز إكسبو بعد أن افتتحه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، فتفاجئنا بالمطر الذي كان يهطل في البداية حبات صغيرة إلى أن بدأ ينهمر بصوته العذب على الخيمة، وأخذ يبللنا..

 ويبلل الكتب وكان يوماً جميلاً لن ننساه، في هذا المكان، الذي يزخر بآلاف الكتب، ويجمع مئات المكتبات، وتمنيت أن يكون لي منها في مكتبتي، لا تستغربوا من كلامي فهذه الأمنية كانت جزءاً من تطلعاتي، وأول دار دخلتها «دار عويدات اللبنانية» فوقعت عيناي على كتاب أسباب الثورة الفرنسية وهو كتاب ضخم، فقلت للبائع بكم هذا الكتاب وسوف أخذه، فاستغرب لأنه رأني صغيرة في السن ( 16 سنة)، وسألني: لمن هل لوالدك؟ قلت: لا إنما لي أنا، فقال هل لديك فكرة عم يتحدث؟ قلت له نعم، فأنا أعلم عن تاريخ فرنسا وأيام الثورة الفرنسية وأيام سجن الباستيل.

وفي عام 1983 لفت انتباهي كتاب مئة عام من العزلة للمؤلف غابرييل غارسيا ماركيز المؤلف الكولومبي، الذي رحل عن دنيانا في هذا العام 2016، وفي الفترة نفسها حصلت من مكتبة الأهرام على نسخة من جريدة الأهرام الطبعة الأولى 5 أغسطس عام 1876، وكانت لديّ اهتمامات صحافية، وطلبت من البائع ثلاث نسخ، لأني سوف أدرس الصحافة عندما أتخرج في الثانوية في جامعة الإمارات في العين، كما اقتنيت مؤلفات لكتابنا الإماراتيين أمثال محمد المر، وراشد عبدالله النعيمي في رائعته شاهندة.

ثم برز لدينا نجم جديد، وأمير مثقف لديه خبرة في التاريخ والجغرافيا، وأول مؤلفاته الاحتلال البريطاني لعدن، 1990م، وأخذ على عاتقة أن يتحف المكتبة العربية والإماراتية ويترجم للغات الأجنبية بهذه المنشورات يعتبرها جزءاً من حياته وهمومه، إنه الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة، مؤسس الحركة الثقافية وملهم الثقافة ومعطي الدافع للكثيرين من خلال مؤلفاته، التي يتحف بها الأفراد، وينتظرونها من عام إلى عام، وأنا واحده من هؤلاء الأفراد انتظر وأخذ أكثر من نسخة وأوزعها لأكثر من أسرة.

ومن ضمن الذكريات ما زلت أحتفظ بكل الأكياس، لأنها تحمل أوقات وتاريخ المعرض، فأصبحت مع السنين ذكرى، كما لديّ بعض الأقلام وبعض فواصل الكتب، وهذه الأشياء تعني لي كثيراً، وتوجد جميعها في مكتبتي الخاصة، وما زلت يأخذني الحنين بين فترة وأخرى وأسترجع تلك الذكريات بين كتبي.


 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات