العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    إمبراطورية الأشياء.. تاريخ الاستهلاك في العالم

    العالم يتطور على أساس سلوكيات الاستهلاك

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    يجمع هذا الكتاب بين عنصر الرصد والمتابعة الزمنية لتاريخ الاستهلاك، عبر عصور المجتمع البشري المختلفة، وبين عنصر التحليل الاقتصادي والسلوكي لتطور هذا المجتمع، الذي يرى المؤلف أنه قام وتطّور على أساس من سلوكيات الاستهلاك لما هو مطروح أو متاح من السلع والخدمات. ويحرص الكتاب على التمييز بين سلوك الاستهلاك ونزعة الاهتلاك.

    حيث يرمي السلوك الأول إلى إشباع الاحتياجات الأساسية، وأحياناً ما فوق الأساسية للكائن البشري المجتمع الإنساني، فيما ترتبط النزعة الأخرى بنمط من التعامل غير المسؤول مع الموارد المختلفة، وبما يؤدي إلى الإسراف والمبالغة في استهلاكها إلى حد يصل إلى حواف الإهدار انطلاقاً من تصور مغلوط يذهب إلى أن الموارد غير قابلة للشحة.

    ومن ثم للنضوب والإفناء. ومن منظور التحليل السوسيولوجي يرى الكتاب أن التوسع في استهلاك مواد كانت محل احتكار الطبقات الأرستقراطية منذ القرن السابع عشر.

    وبعد أن اتسع استهلاكها من جانب بورجوازية الطبقات الوسطى، ومنها مثلاً الشاي أو البن المستورد أو مواد البناء الفاخرة أو أنواع الحرير المجلوب من أراضي الصين، كل هذا أسقط احتكار الأرستقراطية في مجال النفوذ الاجتماعي، تماماً كما شهد القرن العشرون تحولات مماثلة حين اتسع استهلاك مواد وسلع بين صفوف الطبقات الوسطى بل والدنيا أسوة بالطبقات الممتازة العليا.

    في سنة 1958 أصدر المفكر الأميركي أستاذ علم الاقتصاد في جامعة هارفارد جون غالبريث (1908، 2006) كتابه المهم الذي حمل العنوان الشهير التالي: مجتمع الرفاهية، ولقد أصبح هذا الكتاب بفضل مقولاته التي كانت مستجدة في ذلك الحين واحداً من كلاسيكيات التحليل لأحوال الاقتصاد المجتمعي التي شهدتها فترة ما بعد انقضاء الحرب العالمية الثانية (1939-1945).

    في تلك الفترة (13 عاماً أو نحوها بعد الحرب) عمد الاقتصادي الكبير إلى رصد وتحليل ما آلت إليه أوضاع المجتمع الأميركي، خاصة وأن الولايات المتحدة خرجت من أتون الصراع الدولي الذي أشعل نيران الحرب المذكورة، دون أن تصاب بويلات الدمار نفسها أو آفات الانهيار الاقتصادي ذاتها التي كانت قد حلّت بالأطراف الأوروبية والآسيوية التي شاركت في الحرب العالمية.

    والمهم أن خرجت أميركا ظافرة من هذا الصراع، ترفع رايات النصر، وتجني ثمرات التطور الذي استجد على وسائل الإعلام، وخاصة في مجال الإذاعات الذي كان سيد الموقف في تلك الفترة، ومن ثم في مجال البّث التلفزيوني الذي كان يشق طريقه وقتها ليحتل مكانته الوطيدة مع توالي سنوات الخمسينات إلى الستينات.

    تحولات ما بعد الحرب

    هكذا عمد البروفيسور غالبريث إلى رصد التيارات، المستجدة بدورها على المجتمع الأميركي، وخاصة ما يتعلق برغبة أفراد هذا المجتمع في التعويض عن مشقة المشاركة في الحرب العالمية، وكان من إرهاصات هذه الرغبة وبوادر هذا التعويض ما جاء متمثلاً في اتساع نطاق هذه الرغبة في الزواج وإنشاء عائلات .

    ومن ثم اتساع تيار الإنجاب فيما أصبح معروفاً في تاريخ أميركا المعاصر تحت الاسم التالي: »طفرة المواليــد«، ولقد جاء هذا كله تعبيراً عن تلك التحولات نحو مجتمع الوفرة كما أسماه غالبريث أو هو المجتمع الاستهلاكي، كما أصبح معروفاً .

    وفي كل حال فقد أصبح مصطلح »الاستهلاك« سواء بوصفه نمطاً في السلوك أو تياراً يسود المجتمع المعاصر، أو ظاهرة كانت موجودة عبر تاريخ الشعوب، موضوعاً يستأثر باهتمام الدارسين والباحثين..

    وفي طليعتهم أستاذ التاريخ الاقتصادي في الجامعات الأميركية والبريطانية، الدكتور فرانك ترنتمان، الذي أصدر خلال الأشهر الأخيرة كتابه المهم في تحليل ظاهرة الاستهلاك وعلاقتها بتطور المجتمعات عبر التاريخ. وقد صدر الكتاب تحت العنوان التالي: »إمبراطورية الأشياء«.

    وبديهي أن كلمة »الأشياء« تنصرف إلى كل ما يستهوي البشر الحصول عليه واقتناؤه والاستمتاع باستحواذه بأساليب شتى. والمهم أن المؤلف يصوغ العنوان الفرعي لكتابنا في عبارات موجزة تقول بما يلي: »كيف أصبحنا عالماً من المستهلكين، ما بين القرن الخامس عشر إلى القرن الواحد والعشرين«.

    الاستهلاك أسلوب حياتنا

    من هذا العنوان ينطلق المؤلف مباشرة ليوضح أن ما نستهلكه في حياتنا المعاصرة أصبح بمثابة الملمح البارز الذي بات يحدد سمات حياتنا، وباعتبار أن النظم والاوضاع الاقتصادية التي تحيط بنا أصبح بقاؤها أو زوالها أمراً مرهوناً بدرجة ما نستهلكه من أشياء، ولدرجة أن بات المجتمع المعاصر يتعامل مع أفراده ليس كعاملين، ولكن بالأحرى كمستهلكين..

    وأيضاً لدرجة أن المرافق الأساسية والخدمات العامة أصبحت تقّدم لنا باعتبارها سلعاً أو خدمات معروضة في، أو ناتجة عن، سوبر ماركت شاسع الحجم ومتنوع المواد ومتعدد الأغراض.

    في ضوء هذه المعطيات يمضي مؤلف كتابنا في رصد وتحليل تاريخ نزعة الاستهلاك عبر تطور المجتمع البشري، بادئاً بحوثه من أيام العصور الوسطى، وحتى السنوات القليلة المنصرمة من هذا القرن الحادي والعشرين. والمؤلف يحدد العامل المحوري من هذا السلوك الاستهلاكي في عبارة موجزة هي: الاستحواذ المادي.

    هذه هي النزعة نفسها التي سبق إلى إدانتها المفكر الشهير كارل ماركس (1818-1883) حين تعامل مع نزعة الإمعان في الاستهلاك والاقتناء على أنها أقرب إلى الأنانية الطبقية المرفوضة.عن تحرير المصطلح

    يبيّن المؤلف أيضاً أن مصطلح الاستهلاك في الانجليزية (Consume) مشتق من المادة اللغوية اللاتينية التي تفيد الإجهاز على الشيء، أو استخدام أو استنزاف المادة حتى رمقها الأخير كما قد نقول.

    وهنا أيضاً يحيل الكتاب إلى ما شهدته أوضاع إيطاليا في ستينات القرن الماضي: هنالك اختار الكاتب والمخرج الإيطالي بازوليني (1922-1975) أن يدين وقتها نزعات الاستهلاك التي رآها .

    وقد تفشت في مجتمعه، وخاصة بين أجيال الشباب، حيث انتشرت وتصاعدت سلوكيات استهلاك أنواع العلكة (شوينغم) و المشروبات الغازية ذات الأسماء الشهيرة الرنانة (الكولا) فضلاً عن ارتداء سراويل الجينز الأميركية المنشأ بكل أشكالها وموضاتها.

    وهنا يرد مؤلف هذا الكتاب موضحاً كيف يرى من منظوره التحليلي أن هذه كانت السلوكيات أقرب إلى رغبة الشباب من تلك الأجيال في التفّرد من حيث التعبير عن النفس من خلال تبني شعارات تصدر عن تيارات الرفض أو التمرد، وهو ما أوصل.

    كما أصبح معروفاً إلى نشوء حركات الشباب الشهيرة عام 1968 في فرنسا ومن ثّم في غيرها، فيما اتسعت معه استخدامات شباب تلك الحقبة لمركبات »الفسبا« التي كانوا يعدونها، كما يقول مؤلفنا، بمثابة وسيلة ركوب احتجاجية على السيارات الأميركية الفارهة الأنيقة التي كانت مطية الموسرين والمرفهين في ذلك الزمان.

    شكل آخر للاحتجاج

    وعلى كل حال، فقد اعتبر المؤلف هذه المستجدات في مجال الاستهلاك أقرب إلى صيحات وسلوكيات الاحتجاج في مواجهة من يصفهم بأنهم كانوا الطبقة المتمترسة خلف امتيازاتها، بينما جاءت هذه السلوكيات لتثبت في الوقت نفسه أن أنماط الاستهلاك وتصرفات المستهلكين ونوعيات السلع أو الأشياء المستهلكة يمكن أن تخدم أحياناً في تقويض دعائم الأوضاع القائمة هنا أو هناك.

    وهنا يشير المؤلف إلى حكاية مارغريت تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية السابقة التي يصفها بأنها »كاهنة النيوليبرالية«. وأصل الحكاية أن الكاهنة إياها حين زارت الاتحاد السوفييتي كانت تسعى إلى النيْل من الطروحات الشيوعية الرافضة للإسراف في نزعات الاستهلاك:

    كان ذلك في مارس من عام 1987 ويومها عمدت الزائرة البريطانية إلى التجول في أنحاء موسكو وقد اعتمرت قبعة وارتدت ملابس من الفراء الروسي الفاخر، وهو ما لقي ترحيباً من جانب الروس الذين رأوا في المسؤولة البريطانية بشيراً يدعو إلى اتساع الحريات وتزايد الثروات في آن معاً.

    السكر وتجارة العبيد

    وأياً كان التحفظ على ما تسوقه مقولات هذا الكتاب فالحاصل أن القارئ يمكن أن يفيد كثيراً من دقة الرصد التاريخي لما يصفه المؤلف بأنه التقدم العالمي لاتجاهات السلع والبضائع. وهو يستهل هذا الرصد بما كانت تشهده فترة القرن الثامن عشر وإلى أوائل القرن التاسع عشر:

    أيامها كان السكّر هو الناتج الأهم المرتبط بتجارة العبيد البريطانية: حيث كان السكّر هو السلعة الأكثر ربحية من جراء تلك التجارة الشائنة في البشر، ولدرجة أن مِنْ موانئ بريطانيا التي كانت تستقبل هذا السيل البشري من تجارة الرقيق، ومنها بريستول وليفربول، ما قام ازدهاره على أساس استيراد السكر من أصقاع أفريقيا.

    أحدث التطورات

    أخيراً، يختم هذا الكتاب مقولاته بعرض لأحدث تطورات الاستهلاك في زماننا الراهن، ابتداء من القرن العشرين:

    هنا يذهب المؤلف إلى أن ما شهدته الأسواق في عقود القرن الماضي من سلع تحويلية، مثل أجهزة الراديو والتلفاز والسيارات على اختلاف أنواعها وأسعارها، فضلاً عن اتساع استهلاك هذه المواد والموجودات بين طبقات المجتمع البشري، أدى إلى إقبال الطبقات الوسطى ودون الوسطى على استهلاكها وصولاً إلى الطبقات الأدنى..

    وبهذا لم تعد احتكاراً لصالح الفئة الموسرة المحظوظة، تماماً كما حدث في القرن السابع عشر الذي شهد، كما يضيف المؤلف، انتشار السلع النادرة التي كانت مقصورة على الطبقات الأرستقراطية العليا في المجتمع الأوروبي..

    ومنها مثلاً الشاي الهندي والبن العربي وملبوسات الحرير الصيني، وأنواع البورسلين الفاخرة، شاعت الأصناف واتسع استهلاكها بين الطبقات البورجوازية الوسطى في المجتمع الأوروبي، وهو ما زوّد تلك الفئات الأدنى بقدرات تحدي امتيازات الأرستقراطية التي كانت تحتكر هذه الأنماط من الاستهلاك.

    وفي هذا الإطار، وكما يتصور المؤلف، لاحت إرهاصات الديمقراطية: فكراً وسلوكاً ثم نظاماً مازال يشغل محور اهتمام الأفراد والشعوب في كل مكان.

    الترشيد يفرض نفسه أولاً وأخيراً

    نلاحظ من واقع الفصول الأخيرة من هذا الكتاب أن المؤلف يحرص على التفرقة بين سلوك الاستهلاك ونزعة الاهتلاك: السلوك الأول في رأيه يعني استخدام السلع والخدمات لصالح رفاه البشر وكفالة سبل الراحة والمتعة للحياة التي يعيشونها.

    أما النزعة الثانية فهي ترتبط بالاندفاع نحو آفة الإهدار والإسراف في استخدام السلع أو في الانتفاع من الخدمات. وفيما ارتبط الاستهلاك بجهود المجتمع البشري من أجل استكشاف المواد الأولية والعمل على تحويلها إلى مواد نافعة، وهو ما ظل يدفع مسيرة هذا المجتمع الإنساني خطوات ملموسة إلى الأمام..

    فإن الاندفاع أو الانسياق أو الاستسلام لنزعة الاهتلاك بكل ما يرتبط بها من سلوكيات السَرَف أو الإهدار، ما زالت في حكم المرفوضة من منظور العقل والأخلاق بل والأديان أيضاً..

    حيث تحرص العقائد على اختلاف مصادرها وأدبياتها على أن يسلك الناس سبيل القصد والقسط بمعنى عدم الاستسلام لإغراءات الإسراف التي تتصور بالخطأ أن الموارد المتاحة للبشر سواء في البر والبحر إنما تتأتى من أصول ومصادر وينابيع دائمة ومتجددة ولا تعرف التضاؤل أو الشحة أو النضوب، وتلك تصورات يراها المؤلف بالطبع مخالفة لأوضاع الطبيعة وحقائق الأشياء.

    من هنا ظلت العقائد القويمة والفلسفات الحكيمة تحض على توخي الترشيد في التعامل مع مخرجات الطبيعة ومواردها الحيوية وعلى رأسها موارد المياه بطبيعة الحال.

    تأثير على العلاقات

    يتابع مؤلفنا تأثير أنماط الاستهلاك ومسارات التجارة، سواء كانت مشروعة (في السلع) أو كانت غير مشروعة (في البشر) على تطوير العلاقات التي قامت ما بين ثالوث يبدأ في أفريقيا ويتوسط في إنجلترا وينتهي إلى مناطق البحر الكاريبي.

    كانت سفينة العبيد تمخر عباب المحيط محملة بالبنادق والبارود من إنجلترا إلى أفريقيا، إلى حيث تحمل على متنها العبيد إلى الكاريبي، وأخيراً تعود إلى إنجلترا محمّلة بشحنات من السكر والبن والقطن والأرز، وكانت هذه الرحلات تجسد بذلك كما يصفها الكتاب تفاعلاً لما تقضي به أهم قوانين النشاط الاقتصادي وهو قانون العرض والطلب.

    المؤلف

    تعلّم المؤلف في ثلاث من المؤسسات المرموقة، هي جامعة هامبورغ ومدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ثم جامعة هارفارد، و حصل على الدكتوراه من الجامعة الأخيرة. ومارس البروفيسور ترنتمان تدريس الثقافة والعلوم السياسية في جامعتي برنستون و بيلفيلد ، وهو يعمل حالياً أستاذاً لعلم التاريخ في كلية بيربك بجامعة لندن.

    وقد فاز كتاب للمؤلف بجائزة الجمعية الملكية التاريخية في إنجلترا، وهو بعنوان: »أزمة التجارة الحرة«.

    تأليف: فرانك ترنتمان

    عرض ومناقشة: محمد الخولي

    الناشر: مؤسسة هاربر، نيويورك، 2016

    عدد الصفحات: 880 صفحة

    طباعة Email