مدير الاستخبارات واللعب عند الحافة

القضايا الرمادية تؤرق مسؤولي المخابرات الأميركية

يستمد هذا الكتاب قيمته من كون مؤلفه ضابطاً أميركياً يحمل أعلى رتبة في السلك العسكري بالولايات المتحدة. ويضاف إلى هذه القيمة أن المؤلف تولى منصب المدير المسؤول عن أهم هيئتين للمعلومات والاستخبارات في أميركا، وهما وكالة الأمن القومي ثم وكالة الاستخبارات المركزية (سي. آي.إيه).

 وقد واكبت السيرة المهنية للمؤلف في هذين الموقعين أحداث كانت أقرب إلى احتكاك الصراعات بين البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن وبين الصحافة الأميركية، وخاصة صحيفة «النيويورك تايمز»، التي ظلت خلال الفترة 2005- 2006 تنشر بتوسع ملحوظ موضوعات صحافية بشأن النشاطات التي كانت تبذلها دوائر الاستخبارات في أميركا، وتتعلق برصد ومراقبة سبل الاتصالات السلكية واللاسلكية لعدد من الأفراد المقيمين في أميركا، لكن دون الحصول في ذلك على إذن قضائي مسبق من الدوائر ذات الصلة.

كما يعرض الكتاب لبعض ما صادفه مؤلفه خلال رئاسته للوكالة المركزية من مشكلات وما اتخذه حينها من قرارات كانت صعبة أحياناً ولو من الناحية الانسانية، فضلاً عما أورده الكتاب من انتقادات لبعض مرشحي الرئاسة الأميركية في الوقت الراهن.

عام 1947 هو العام الذي شهد إعلان استقلال الهند عن الاستعمار البريطاني، وشهد أيضاً مواصلة المسيرة الكبرى في الصين، تمهيداً لإعلان جمهورية الصين الشعبية في عام 1949 بقيادة زعيمها التاريخي ماوتسي تونغ.

وشهد كذلك إعلان مبدأ ترومان، رئيس أميركا الذي وعد بتقديم تبرعات بالغة السخاء، بمقياس تلك الفترة إلى الدول التي ترفض المذهب الشيوعي أو تمتنع عن الانضواء أيامها تحت لواء الاتحاد السوفييتي، وكان في مقدمة الدول المستفيدة من هذا المبدأ الأميركي كل من تركيا واليونان، لكن ما يهمنا في سياقنا الحالي هو صدور قانون بتاريخ 1947 في الولايات المتحدة ليحمل العنوان التالي: قانون الأمن القومي.

وبموجب هذا القانون تم إنشاء هيئة معنية بالأمر، رفعت منذ ذلك الحين لافتتها التي تقول: وكالة الاستخبارات المركزية.

جاء تأسيسها بالتحديد يوم 18 سبتمبر من عام 1947، واتخذت مقرها في ضاحية لانغلي، في مقاطعة فيرفاكس بولاية فرجينيا المتاخمة للعاصمة الأميركية واشنطن، واتخذت لأنشطتها اثنين من الشعارات:

• الشعار الأول رسمي وهو: عمل للأمة ومركز استخبارات.

• أما الشعار الثاني وهو غير رسمي فيحيل إلى الكتاب المقدس، إنجيل يوحنا، ويقول بدوره: تعرفون الحق، والحق يحرركم.

وكان بديهياً أن يسبق إنشاء وكالة الاستخبارات المذكورة، سي. آي. إيه، كما أصبحت معروفة من خلال اختصارها الانجليزي، تجارب ونماذج عايشتها دول الحلفاء، وخاصة في فرنسا حيث تعرف مؤسسة الاستخبارات باسم المكتب الثاني، أو في إنجلترا، حيث تحمل مؤسسة استخبارات صاحبة الجلالة البريطانية عنوان دائرة الاستخبارات السرية.

أما الأب المباشر للوكالة الأميركية فقد سبق إنشاؤه فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، في أكتوبر من عام 1945 ليحمل بدوره عنوان مكتب الخدمات الاستراتيجية (أو. إس.إس).

المدير رقم 20

وعلى مدار تاريخ الوكالة إياها، حيث يكاد عمرها، فضلاً عن مغامراتها المثيرة وأحداثها الحافلة تقارب على السنوات السبعين، توافد على منصب مدير الاستخبارات المركزية الأميركية أكثر من 20 شخصية، أما هذه السطور فهي تركز على مديرها العشرين، وهو الجنرال الأميركي الطيار مايكل هايدن، الذي تولى منصبه على مدار ثلاث سنوات بدأت في عام 2006 خلال ولاية الرئيس السابق جورج بوش الابن، واستمرت مع السنة الأولى من حكم الرئيس الحالي باراك أوباما.

في ضوء هذه الخلفية، جاء الاهتمام بالكتاب الذي أصدره أخيراً الجنرال هايدن تحت العنوان التالي: اللعب عند الحافة.

وقبل أن يتفهم القارئ فحوي هذا التعبير الذي يستخدمه العسكريون في بعض الأحيان، آية على مباشرة النشاط قرب مناطق الخطر، فإن المؤلف يسارع إلى طرح عنوان فرعي للكتاب في عبارة تقول: الاستخبارات الأميركية في عصر الإرهاب.

ومع ظهور هذا الكتاب في الفترة القريبة الماضية، لاحظ النقاد والمحللون السياسيون أن صدوره يأتي متزامناً مع ما يوصف بأنه حالة العزلة وأحياناً سهام الهجوم، التي تتعرض لها المؤسسة الاستخبارية في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها كل من الوكالة المركزية ثم وكالة الأمن القومي.

الوكالتان صارتا موضع تهجم وانتقادات واسعة النطاق في داخل أميركا وخارجها، ومن جانب عناصر شتى تجمع كما توضح مقدمات الكتاب، بين دول معادية وحركات العنف «الجهادية» (بمعنى المتمسحة .

كما قد نقول في شعارات الإسلام)، إضافة إلى قراصنة الفضاء الإلكتروني الذين أصبحوا مسلحين بأحدث ما استجد من تكنولوجيات النشر والتغيير والاتصال، وإن كان الأقسى والأخطر في هذا السياق لا يزال متمثلاً في التسريبات التي عمد إلى إعلانها أو بالأدق كشفها، أو حتي فضحها، الخبير الشهير إدوارد سنودن، وهو ما جعل الوكالات الاستخباراتية منكشفة أمام كل ذي بصيرة في الداخل والخارج على السواء.

أسئلة حائرة

من هنا تبدأ مقولات هذا الكتاب بطرح عدد من التساؤلات المهمة، ومنها مثلاً: كيف تأثرت هيئات وعناصر الاستخبارات الأميركية من جراء تحولات الأحداث الخطرة التي تجسدت في موقعة الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وما تلاها من تحولات خلال سيطرة المحافظين الجدد على مقاليد الأمور أبان سنوات ولاية جورج بوش – الابن (2000- 2008)؟

ومنها أيضاً: كيف السبيل إلى إعادة التوازن بين مقتضيات الأمن القومي وضرورات الحريات المدنية بكل أبعاد هذا التوازن المدنية والعسكرية والمعلوماتية؟

في كل الأحوال يرى ناقدو هذا الكتاب، ومنهم الكاتب الأميركي مارك باودن من جامعة ديلاوير، أن وكالات الاستخبارات، خلال حقبة بوش إياها، بالغت في عمليات جمع المعلومات عن الهيئات والأفراد بموجب برنامج حمل خلال الحقبة المذكورة اسم «ستيلاروند».

كان برنامجاً يحمل طابع «سري للغاية»، وينطوي على عمليات المراقبة والرصد لبيانات وتفاصيل الاتصالات السلكية واللاسلكية في طول أميركا وعرضها، ولكن دون الحصول على إذن مسبق بالأمر من جانب السلطات القانونية المعنية.

في هذا الخصوص يعرض المؤلف لمقابلة تمت في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن، ضمت الرئيس بوش الابن إلى جانب ثلاثة من أهم العاملين بحرفة الصحافة والنشر في الولايات المتحدة، وهم آرثر سولز برغر ناشر النيويورك تايمز، وبيل كيللر رئيس التحرير التنفيذي للجريدة الكبرى، ثم فيليب توبمان مدير مكتبها في العاصمة واشنطن.

المقابلة كانت في عام 2005، وسبب الاجتماع كان استدعاء رئيس الدولة لأهل الصحافة لمناقشتهم – بالأصح تحذيرهم- مما دأبت «النيويورك التايمز» على نشره من معلومات رآها بوش بالغة الخطورة بشأن برنامج «ستيلاروند» السابق الذكر، وهو ما اعتبره الرئيس كشفاً لشيء كانت الدولة – الإدارة حريصة على كتمانه عن الرأي العام في الداخل وفي الخارج أيضاً.

حوار مع الرئيس

يرسم المؤلف صورة للرئيس بوش تجمع بين الاستياء والغضب، حاول سولز برغر المنحدر من عائلة مالكي النيويورك تايمز أن يخفف من توتر الموقف، حين أشار إلى أن الاجتماع يعقد في المكتب العتيد الذي شهد تاريخياً سلسلة رؤساء الدولة الأميركية، ثم أضاف في محاولة المزاح قائلاً: ها نحن الاثنان يا سيادة الرئيس نعمل في المكتب القديم لوالدك (الرئيس الأسبق).

هنا يضيف مؤلفنا عبارة في معرض التعليق تقول: مع ذلك فلم يقدر للثلج أن يذوب.

وفيما ظل التوتر على حاله، استرسل الرئيس – الابن موضحاً أن جريدة «النيويورك تايمز» كشفت بما نشرته عن برنامج كان قيد السرية، وأن البرنامج يقصد به أصلاً رصد واعتراض الاتصالات التي يقوم بها من يُشتبه فيهم من المتآمرين الأجانب، على حد قوله.

وأن هذا الكشف – هذه الفعلة من جانب الجريدة المذكورة - يمكن أن تفضي – كما أضاف بوش- إلى وقوع هجوم آخر بأسلوب الحادي عشر من سبتمبر، ولو حدث هذا، فإن عليهم أن يستعدوا لتحمل اللوم والعواقب، والذي حدث هو أن استمر النشر رغم تحذيرات رئيس الجمهورية، لكن لم يحدث شيء مما حذر منه الرئيس.

عن القضايا الرمادية

في كل الأحوال يشعر قارئ هذا الكتاب كيف أن كاتبه يكاد يخطو فوق ساحات من الرمال الناعمة التي تسوخ فيها الأقدام: نلاحظ أنه يتأرجح عبر الفصول والصفحات ما بين قواعد القانون، التي تحمي المعلومات والخصوصيات، وبين دواعي الأمن القومي، التي قد تستدعي الكشف عن المعلومات، والمؤلف يطلق على هذه المساحة المزدوجة أو المختلطة بين القانون والأمن العبارة الوصفية التالية: القضايا الرمادية.

ومن أمثلة هذه الرماديات ما يعرض له مؤلفنا، حيث كان الأمر يتأرجح بين الشعور الإنساني والمسؤولية المهنية، وهنا يصف الجنرال هايدن كيف أصدر قراره بوصفه مدير الاستخبارات المركزية بتسليط طائرة بغير طيار («درون» كما يسمونها) لتهاجم عنصراً من منظمة القاعدة كانوا يعدونه شديد الخطورة بحكم كونه خبيراً – كما يصفه المؤلف- في أسلحة الدمار الشامل. مشكلة المؤلف – المدير أن عرف قبيل التنفيذ، أن حفيد الهدف كان على مقربة من جده في الموقع المرسوم.

هنا يحكي مؤلفنا قائلاً: دق جرس الهاتف عند منتصف الليل، وقبل أن أرفع السماعة (لإصدار أمر التنفيذ) بدأت أردد لنفسي قائلًا: حسناً هايدن، اسمع جيداً، أياً كان قرارك بشأن هذه المخابرة، فلسوف تعيش آثارها معك طيلة ما تبقى لك من سنوات العمر.

ثم يسترسل المؤلف قائلاً في السياق نفسه: لكن عندما تكون مديراً لتلك النوعية من الوكالات (الاستخبارية)، وتظل تراودك هذه الأفكار والمشاعر، فأنت لا تفتأ تذكر نفسك بأنك تتصرف باسم أمة بأكملها، وعليك أن تدرك أن عدم اتخاذك القرار الصعب في هذا الشأن، وبالتحديد عدم تسديد هذه الطلقة، فذلك يمكن أن يفضي إلى أمر هو أقرب إلى الكارثة.

وسواء كانت عبارات الجنرال هايدن تنطوي على مشاعر إنسانية متضاربة، أو كانت تبريراً يحاول أن يكون منطقياً أو سائغاً لاتخاذ مثل هذه النوعية الخطرة من القرارات، إلا أن المؤلف يُحسب له ما وجهه في أواخر الصفحات من انتقادات إلى مرشحي الرئاسة الأميركية خلال السباق الدائر في الفترة الراهنة.

إنه يرفض ما ذهب إليه المرشح تيد كروز حين دعا إلى القصف الشامل من أجل ما يصفه بأنه إبادة الإرهابيين، ناهيك عن دونالد ترامب، الذي وعد في حال انتخابه رئيساً إلى اتباع أساليب في التحقيق والاستجواب أخطر بكثير من أسلوب دوائر من الأميركي في إغراق المتهمين تحت سطح الماء.

المؤلف يرفض مثل هذه الأقوال. ويلوم مثل هؤلاء المرشحين إذ يراهم وقد حولوا المسائل الرمادية التي ذكرها في الكتاب إلى شعارات زاعقة، لصالح دعاياتهم الانتخابية ليس إلا.

المخابرات تحتج على البيت الأبيض

ليس مصادفة أن يسترسل المؤلف في الدفاع عن إجراءات المراقبة والرصد التي كانت تتعدى المألوف من جانب المخابرات الأميركية: ومن جوانب هذه المرافعات ما يوضح فيه كيف أن منظمة القاعدة التي تُنسب إليها كارثة 11 سبتمبر لم تعد موجودة بالأنساق نفسها التي كانت عليها منذ 20 عاماً مضت، وأن زعيمها بن لادن طويت صفحته من دفتر الأحياء. صحيح – يعترف الكتاب- بأن أميركا ودول العالم ما زالت تواجه أعمالاً من الإرهاب الجماعي هنا أو هناك، إلا أن منها – في رأيه – ما ارتكبه قاتل وحيد قبل أن يقترفه إرهابيون منظمون.

وبينما يتعامل المؤلف مع سيرة وسلوكات الرئيس بوش بقدر من التفهم إلى حد التقدير في بعض الأحيان، إلا أن قارئ هذا الكتاب لا يسعه سوى أن يلحظ موقف الجنرال صاحب الكتاب إزاء الرئيس الحالي أوباما، وهو موقف يكاد ينضح بالانتقاد إلى حد الاستهانة الشديدة في بعض الأحيان أيضاً.

وفي بعض سطور هذا الموضع من الكتاب يتهم المؤلف الرئيس أوباما بسلوك النفاق، لأنه يتبع بعضاً من سلوكات بوش برغم أنه انتقدها، ولأنه أبرم مع إيران صفقة بدعوى أن لم يجد لديه خيارات عديدة في هذا الشأن، ثم لأن إدارة أوباما عمدت إلى نشر – أو كشف مذكرات التعذيب الموروثة عن إدارة بوش وكانت تعد بمثابة المبررات القانونية لإجراء عمليات الاستجواب تحت طائلة الضغوط.

وهنا أيضاً يعود المؤلف إلى وظيفته السابقة كونه مديراً للاستخبارات المركزية حيث يرى في ما نشرته إدارة أوباما عن هذه المذكرات خيانة للموظفين المخلصين من وكالة الاستخبارات، الذين لم يكن أمامهم سوى تنفيذ أوامر رؤسائهم لا أكثر ولا أقل، وهنا أيضاً يحيل المؤلف إلى عبارات الاحتجاج التي أوردها على لسان واحد من قدامى موظفي الوكالة المذكورة حين قال: لقد جاء نشر هذه المذكرات بمثابة ضربة للوكالة وكأنما تعرضنا لسيارة مفخخة صادفناها في ملحق البيت الذي نسكن فيه.

انتقادات واسعة

يوضح الكتاب كيف استمرت عمليات المراقبة والرصد ، التي ظلت تمارسها وكالات وأجهزة الاستخبارات، وهو ما كان محل انتقادات واسعة النطاق داخل أميركا.

وكان التركيز في هذه الانتقادات ينصب في معظمه على مقولة أن إدارة بوش تجاوزت بمعنى تجاهلت قوانين حماية الخصوصية، وربما تعدت أصول اللياقة، فيما ظل المؤلف أيام رئاسته للوكالة المركزية يؤدي تلك المهام بقدر ملحوظ من الانضباط المستمد من نشأته العسكرية، ولدرجة ظلت محل تقدير رئاسة الدولة وكبار صانعي القرارات في البيت الأبيض، وهو ما أوصله إلى ترقية رفيعة نالها مع نهاية خدمته في سلك الاستخبارات، وهي جنرال- أربعة نجوم.

المؤلف

الجنرال مايكل هايدن يبلغ من العمر 71 سنة. درس وعمل في سلاح الطيران للقوات المسلحة الأميركية حيث خدم 41 سنة، و اختاره الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون ليكون المدير رقم 15 لوكالة الأمن القومي التي تولي مسؤوليتها على مدار الفترة 1999- 2005 إلى ولاية الرئيس بوش- الابن الذي اختاره مديراً لوكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي. إيه) من 30 مايو 2006 إلى 12 فبراير 2009.

تأليف: مايكل هايدن

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: مؤسسة بنغوين، نيويورك، 2016

عدد الصفحات: 448 صفحة

طباعة Email
تعليقات

تعليقات