العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    كل شيء يتغير العداء بين الرأسمالية ومناخ الكوكب

    إنقاذ كوكب الأرض يتطلب مشروع مارشال

    صورة

    مازالت دوائر الاهتمام بالنقد والتحليل والتحمس والعرض تتسع باستمرار بالنسبة لهذا الكتاب، بعد صدوره في أواخر عام 2014 الماضي، ويرجع هذا الاهتمام المتزايد إلى أن فصول الكتاب تجمع بين جانب العرض والتحليل السياسي- الاقتصادي وبين جانب الدراسة والتحليلات البيئية، وخاصة ما يتعلق بآفات التلوث الخطير للغلاف الجوي والمصادر الحيوية المحيطة بكوكب الأرض، وهي ناجمة بالطبع عن الاتساع المهول في صناعات الاستخراج وعمليات التصنيع التي تسيطر عليها الاحتكارات الاقتصادية العملاقة، وهي تزيد من غازات الاحتباس الحراري الكربونية التي أدت وتؤدي إلى رفع درجة الحرارة فوق سطح الأرض.

    ويتميز الكتاب أيضاً بأن المؤلفة عمدت إلى تجميع كمية مرموقة من الإحصاءات والبيانات التي استندت إليها فصول الكتاب كمرجعية للأحكام التي احتوتها هذه الفصول، فضلاً عما قامت به المؤلفة من زيارات ميدانية في مواقع شتى واستندت إلى محصلة هذه الزيارات للتوصل إلى ما طرحته من أحكام وأفكار عبر الفصول والصفحات.

    كعادتها دائماً، تطرح الكاتبة الباحثة نعومي كلاين أفكارها عبر السطور والصفحات، ولكن من موقع أقرب إلى التحدي بل وتفنيد الأفكار والآراء التي يتعامل معها البعض بمنطق الإقرار أو الموافقة أو التسليم، يستوي في ذلك صانعو القرار وراسمو السياسات بقدر ما يستوي القارئ أو المثقف العادي أيضاً.

    بالمنهج نفسه تبدأ نعومي كلاين طروحات كتابها المنشور أخيرا عن قضية المناخ، ولكن بمنطق واسلوب لا تستغرقه أو تسيطر عليه أفكار الظواهر أو المشكلات البيئية (الأيكولوجية) بقدر ما يركز هذا المنهج المتبع في الكتاب على أهمية الربط بين متغيرات البيئة ومسلّمات السياسة وممارسات النظام الاقتصادي الرأسمالي وبين مستقبل أنماط الحياة فوق ظهر كوكب الأرض.

    من هنا فلم يسع دارسو طروحات هذا الكتاب الجديد، ونحن منهم بالطبع- سوى استعادة مقولة عمرها الآن 56 عاماً على وجه التحديد:

    ففي عام 1961، كان السياسي المثقف الشاب جون كيندي هو رئيس الولايات المتحدة. وفي خطابه التقليدي لافتتاح دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. في خريف العــام المذكور، اختار كيندي أن ينّبه أو يحذر شعوب وقادة عالم ذلك الزمان إلى خطر ما كان يوصف أيامها بأنه القنبلة الهيدروجينية، التي كانوا يعدونها أنكى وأشد فداحة من القنبلة الذرية، يومها قال كيندي ما يلي: كل فرد يسكن على ظهر هذا الكوكب عليه أن يتأمل ملياً حين يجئ اليوم الذي قد يصبح فيه هذا الكوكب (الأرض) غير صالح للسكن من الأساس.

    دعوة إلى الإنقاذ

    وبعد انقضاء هذه السنوات الطويلة، ها هم سكان الأرض وقد أحدقت بهم مخاطر التلوث الفادح في بيئة هذا الكوكب الذي يسكنون، فيما أصبحت ضرورات الإنقاذ أكثر من عاجلة بل شديدة الإلحاح على نحو ما تذهب إليه مؤلفة كتابنا التي وصلت إلى حد بلورة مطالبها في دعوة مستجدة وبليغة كما تراها حيث تقول: مطلوب مشروع مارشال من أجل إنقاذ كوكب الأرض.

    وبصرف النظر عن بلاغة صياغتها، فالمعروف طبعاً أن مشروع مارشال هو تلك الخطة التي أقرها الكونغرس الأميركي في عام 1948 بموجب قانون المساعدة الخارجية، وحمل اسم وزير خارجية الولايات المتحدة وقتها، وقصدوا به تعمير ما ألحقته الحرب العالمية الثانية من دمار ماحق وشامل ومريع في أقطار أوروبا على اختلافها..

    فداحة الليبرالية الجديدة

    الكتاب يقف ملياً عند نظام أو اسلوب رأسمالي يحمل العنوان التالي: الليبرالية الجديدة، ولعله العنوان الذي يستعيد في الذهنية العالمية ذكريات فصيل المحافظين الجدد الذين كانوا مسيطرين على مقاليد الأمور في أميركا، ومؤثرين على مسار الأمور أيضاً في العالم، على مدار السنوات الثماني التي أمضاها جورج بوش- الابن رئيساً للولايات المتحدة (2000- 2008).

    في سياق هذه الفترة، وتحت وطأة أفكار »النيو-كونز« كما كانوا يصفون هذا الفصيل انتعشت نزعة الليبرالية الجديدة وارتبطت بإطلاق النوازع السلبية للخيار الرأسمالي الذي تحوّل من نهج يحتفل بالاستثمار ويشجع المبادرة الفردية، إلى حيث جسدته كما يقول الكاتب بوب نيكسون في تحليله لكتابنا دعوات منفلتة إلى حد الشراسة للإفراط بل الانفلات في نزعات الاستهلاك وتشجيع عمليات استحواذ الكيانات الاقتصادية العملاقة على الكيانات الأصغر حجماً أو تواضعاً لتشكيل كيانات سوبر- مندمجة تولدت عنها، بالطبع، الاحتكارات المتعددة الجنسيات والشركات عبر الوطنية الميغا اندماجات، كما يسميها الناقد المذكور أعلاه.

    وكان طبيعياً أن تدفع هذه الكيانات العملاقة إلى إبرام اتفاقيات تجارية جاءت بحكم التعريف والأهداف والأطراف معادية لصحة البيئة الكوكبية وأيضاً لحقوق التنظيمات العمالية، بحيث يسجل كتابنا حقيقة أن أرباح واحد من تلك الكيانات السوبر- عملاقة في عالم أنشطة وصناعات ونواتج الطاقة قد بلغت في عام 2014 الماضي وحده أكثر مما حصّلته أي شركة مماثلة على مر التاريخ.

    عن الثروة والديمقراطية

    وفيما لا جُناح بداهة من تحصيل أموال أو حتى تكديس ثروات، فالكتاب يواصل طروحاته، حين يتطرق إلى خطر مثل هذه الثروات على تفعيل قواعد الممارسة الديمقراطية من جهة، فضلاً عن أنها تلحق في السياق نفسه أخطاراً فادحة ببيئة كوكب الأرض. ويكفي في معرض التدليل أن يسوق الكتاب حجم المبالغ التي تحصّلها سنوياً والعهدة على المؤلفة بكل سمعتها الأكاديمية شركة عملاقة واحدة وتصل إلى 600 مليار دولار سنوياً، وهو ما يجعلها هي وأمثالها لا تلقي كبير اهتمام إلى صحة الكوكب بل إنها كما تضيف المؤلفة بالحرف أصبحت تتعامل مع الكوكب وكأنه مقلب قمامة.

    هنا أيضاً تؤكد المؤلفة أنها أعدت وأصدرت كتابنا في فترة لا تزال تشهد تزايداً مطرداً في الانبعاثات الكربونية، التي تؤدي إلى تلويث الحياة فوق سطح الأرض عاماً من بعد عام. ومن عجب أن يكون الاستثناء من هذه القاعدة هو سنة 2009 التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً في انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، لكن هذا الاتجاه الإيجابي، وهو الوحيد الفريد، كما تؤكد المؤلفة باستمرار، لم يأت بفضل صحوة ضمير ولا جهود عالمية حثيثة أو محمودة بذلها الساسة أو العلماء أو الاختصاصيون أو عامة الجماهير: لقد جاء بسبب إصابة العالم بالأزمة المالية- الاقتصادية التي انكمش معها النشاط الاقتصادي والتصنيعي. ثم ما لبثت الأمور أن عاودت سيرتها الكربونية، لدرجة أن جاءت سنة 2010 لتشهد كما يسجل الكتاب أيضاً- زيادة فادحة في معدلات التلوث بالغازات الكربونية الرافعة للسخونة والضارة بكل المخلوقات .

    هنا تعود التواريخ التي ترصدها فصول الكتاب إلى أواخر القرن الثامن عشر، تلك الفترة التي شهدت بدايات الاستخدام التجاري لمادة الفحم مصدراً أساسياً للطاقة. وهنا أيضاً يلاحظ النقاد أن أزمات التلوث الكوكبي يمكن أن تكون قد سبقت اتباع العالم للأسلوب الرأسمالي في الاقتصاد والاستثمار، ويزيدون في هذا المضمار حين يذهبون إلى أن أساليب استخراج الركازات الكربونية بكل ما أسفرت عنه من مشكلات التلوث لم تخل منها بدورها النظم غير الرأسمالية ومنها مثلاً نظام التعدين في حقبة ستالين في الاتحاد السوفييتي، أو في مرحلة ماو تسي تونغ في الصين الشعبية، وقد أسفر هذان النظامان عن أسوأ حالات التلوث البيئي خلال سنوات القرن العشرين.

    نفوذ الرأسمالية العاتية

    الكتاب ينعى على التطبيقات السياسية الحالية في النظم الرأسمالية أنها لا تزال خاضعة لنفوذ القوى الاحتكارية العاتية في المجتمعات الراهنة، وهذه القوى تمارس هذا النفوذ بأساليب شتى، منها مثلاً استخدام أساليب اللوبي، جماعات الضغط، التي تتوسل بأحدث وأنجع تقنيات الإعلام القادرة بشكل فعال في التأثير على قطاعات الجماهير، وهناك أيضاً إمكانات التبرعات السوبر- سخية التي تقدمها الفعاليات الرأسمالية لحساب الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وما في حكمها، وهو ما يحول الكثير من أنشطة هذه الجهات والمؤسسات لصالح الفعاليات التي لا تتورع عن تلويث بيئة الكوكب في غمار تحقيقها لمصالحها العاتية.

    والمؤلفة هنا تستعيد عبارة لمرغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا خلال عقد الثمانينات وقالت فيها: ليس هناك شيء اسمه المجتمع، هناك فقط أفراد من ذكور وإناث، وهناك عائلات أيضاً.

    ثم إن المؤلفة تحرص عبر فصول هذا الكتاب على توضيح أنها ليست من ناحية المبدأ ضد الرأسمالية كمذهب أو نظام اقتصادي، إنها ضد الرأسمالية عندما تتحول إلى احتكارات عولمية وكيانات عملاقة، وإلى أفكار ودعوات وطروحات، يبلغ بها التطرف إلى حد تكريس النظرة المقصورة على تجميع الأرباح، ولو على حساب ما يمكن وصفه بأنه الصالح العام الذي يمّسبحكم التعريف - صالح أفراد المجتمعفما بالنا، بأنه يمّس- حسب مقولات الكتاب- الصالح الكوني لسكان الكوكب بأسره.

    والمعنى في هذا السياق أن الكتاب لا يتخذ موقفاً رافضاً للرأسمالية عندما تكون اسلوباً في الاقتصاد، ولكن عندما تتحول إلى ما أصبح يوصف - كما أسلفنا- بأنه الليبرالية الجديدة، التي تضع مصالحها فوق مصالح البشرية جمعاء، وهو ما يلحق أفدح الأضرار بمصالح أجيال الحاضر وأجيال المستقبل على السواء.

    في كل الأحوال، تؤكد الفصول الختامية من هذا الكتاب على حقيقة نرجو أن تكون بديهية، ويمكن عرضها على النحو التالي: أياً كانت نوعية النظام السياسي- الاقتصادي الذي يرتضيه هذا المجتمع أو ذاك، فالأكيد أن التصدي لمغبة تلويث كوكبنا لابد وأن يتجاوز أو يعلو فوق العوامل الأيديولوجية أو التمذهب السياسي. وسواء كان المرء رأسمالياً أو كان اشتراكياً، محافظاً أو ليبرالياً، فالأهم هو أن نحافظ على الحد المعقول من صحة كوكب جادت به السماء على البشر ولا تملك البشرية سواه كي تعيش فيه جيلاً من بعد جيل.

     

    تاتشر وريغان تركا ميراثاً من الارتباك الاقتصادي

    في فصول الكتاب تعرض المؤلفة لخطاب ألقاه أخيراً الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر وقال فيه: »إن أصعب العقبات التي نصادفها حالياً هو أن نفراً من الملتاثين في بلادنا لا يعتقدون أن هناك خطراً اسمه التسخن الكوكبي«.

    بيد أن مؤلفة الكتاب تعارض هذا القول، موضحة أن المشكلة تتمثل بالأحرى في استمرار الحالة والأوضاع الراهنة بصرف النظر عن الذين يؤمنون بخطورتها أو لا يؤمنون: المشكلة في رأيها هي الممارسة الاقتصادية بالأسلوب الراهن (الموروث من أيام الرأسمالية التي انفلتت من عقالها منذ أيام تاتشر في إنجلترا وأيام ريغان في أميركاحيث أسقط المسؤولون القواعد، وأزالوا اللوائح التي تنظم الأنشطة وتبلور العلاقات وتحرص على توازن المصالح المتبادلة بين الذين يملكون والذين لا يملكون.

    ثم تمضي مقولات هذا الكتاب، فإذا بها تشيد مثلاً بما أقدمت عليه مجموعات بسيطة من أبناء الشعوب الأصلية (الهنود الحمر في أميركا مثلاً) حين زارتهم في مواقعهم مؤلفة الكتاب، فإذا بهم وقد عارضوا بالمرصاد أي مشروع لاستخراج وتصنيع الفحم من مناجم قريبة من ديارهم (في ولاية مونتانا الأميركية)، وبدلاً من ذلك فقد استخدموا منحة مالية سخية حصلوا عليها من أجل تدريب أجيالهم الشابة كي يكتسب أفرادها المهارات العلمية والعملية والتقنية، فيصبحوا من الكوادر القادرة على تركيب وإصلاح وصيانة الألواح الخاصة بتوليد الطاقة الشمسية بقصد استخدامها بديلاً عن الفحم وبغير أن ينتج عنها أي غازات كربونية تؤدي إلى الإضرار بصحة الإنسان أو الحيوان أو النبات.

    ولأن الكتاب يجهد عبر فصوله ومقولاته في توخي جانب موضوعية البحث، فها هي المؤلفة تعترف صراحة بأن مشكلة تلويث الغلاف الجوي المحيط بالكوكب ليست وليدة المرحلة الراهنة، ولكنها بدأت منذ فترات بعيدة، وربما كان منطلقها هو المقولة العتيقة التي دفعت البشر إلى معاملة كوكب الأرض على أنه مجرد حزمة موارد تنتظر مَن يستغلها.

     

    صيحة تحذير في أوانها

    بلغ من تحمس النقاد المتخصصين، فضلاً عن جماهير المثقفين والقارئين، إزاء طروحات هذا الكتاب، الحد الذي جعل البعض يقرنه بكتاب محوري آخر، أصدرته منذ أكثر من 50 سنة عالمة البيولوجيا الأميركية راشيل كارسون (1907- 1964) بعنوانه الشهير »الربيع الصامت «ولا يزال الكتاب المذكور يعدّ المرجع الرائد الذي مهّد السبيل أمام الاهتمامات ببيئة كوكب الأرض بكل ما يحدق بها من عوامل التلويث نتيجة الأنشطة، التي ما برح يمارسها الإنسان. وفي ضوء هذه الأبعاد أطلق النقاد على كتابنا وصف صيحة التحذير التي جاءت في أوانها.

     

    المؤلفة في سطور

    تجمع نعومي كلاين بين مهنة الصحافة و تأليف الأعمال الفكرية التي غالباً ما تحوز اهتمامات المؤيدين والمعارضين على السواء. ولدت في كندا والتحقت بجامعة تورنتو دون أن تكمل الدراسة في سلك الجامعة، بعد أن تجلت مواهبها في الكتابة الصحافية والعمل السينمائي، وتحسب لها معارضتها لإسرائيل ومطالبتها بإنهاء احتلالها لأراضي فلسطين.

    والمؤلفة تكتب أعمدة الرأي في عدد من الصحف الأميركية (مجلة هاربور ومجلة نيشن وصحيفة النيويورك تايمز إلى جانب صحيفة الغارديان البريطانية). وقد انضمت إلى عضوية العشرات من الجمعيات الداعية إلى مقاومة ما يلحق ببيئة الأرض من آثار سلبية .

    عدد الصفحات: 566 صفحة

    تأليف: نعومي كلاين

    عرض ومناقشة: محمد الخولي

    الناشر: مؤسسة سيمون آند شوستر، نيويورك، 2014

    طباعة Email