تحديات جديدة أمام الأسرة الخليجية

ت + ت - الحجم الطبيعي

اختلفت التحديات التي تواجه الأسرة الخليجية على مر العقود الماضية ما بين تحديات حضارية وأخرى اجتماعية واقتصادية، ولكن تظل التحديات القيمية أهم تلك التحديات.

وبالنسبة للأسرة الخليجية فإن القيم والعادات المستقاة من تقاليد السلف تظل الهيكل الذي تبنى عليه الأسر تماسكها وكينونتها كنواة أولية للمجتمع. فالقيم والعادات قضية رئيسة بالنسبة للمجتمع الخليجي حتى وهو يصعد سلم الحداثة درجة فدرجة. ولذا يظل الالتزام بتلك العادات والتقاليد ونقلها من جيل إلى آخر قضية أساسية في التنشئة الخليجية.

وفي العصر الحديث واجهت مجتمعات الخليج جميعها طفرة حضارية نوعية وخاصة بعد اكتشاف النفط والتحولات المادية التي رافقت تلك الطفرة الأمر الذي فرض على مجتمعات الخليج عادات وقيماً جديدة بعضها غريب على تلك المجتمعات.

وعلى الرغم من أن دول الخليج ليست بغريبة على الانفتاح على العالم الخارجي، إلا أن المتغيرات التي رافقت الطفرة النفطية جلبت معها تحديات حضارية وقيمية عصية. فبدءاً من تحدي الهوية وتأثيراتها في الثقافة الوطنية إلى اللغة المستخدمة مروراً بالعادات الاجتماعية الدخيلة التي تتناقض مع تلك التي تربت عليها الأجيال الماضية وورثتها لأبنائها وأحفادها، تظل التحديات القيمية من أقوى وأعنف تلك التحديات، وتظل تبعاتها المجتمعية تؤرق أصحاب القرار حتى باتت تلك التحديات الهاجس الرئيس للمهتمين بشأن التنمية الاجتماعية.

وحرصت الأسر الخليجية دوماً على تربية الأبناء تربية صالحة تحقق أهداف الأسرة الخليجية وفق مبادئ وأخلاقيات المجتمع الخليجي الاجتماعية والدينية. كما حرصت الأسر دوماً على تماسك واستقرار المجتمع الصغير بغرس قيم التعامل الأخلاقي التي تحترم من قبل الجميع.

فقد حرصت الأسر على غرس مبادئ احترام الثقافة المحلية وقيم التسامح والكرم وتسخير الإمكانات كافة لحماية المجتمع وأمنه. كما حرصت الأسر الخليجية منذ القدم على خلق نوع من التعايش والحوار بين الأطياف كافة التي تعيش في المجتمع بحكم كون تلك مجتمعات تجارية في الأساس.

وعادة ما يسود المجتمعات التجارية جو من الاحترام المتبادل والتعايش السلمي كون تلك المجتمعات تعتمد على بعضها بعضاً وكون المصالح مشتركة. هذا التعايش كان له دور فعال في تفعيل الأمن والاستقرار داخل مجتمعات الخليج وجعلها تعيش حالة من التصالح الاجتماعي الخالي من كل أشكال العنف ونبذ الآخر.

وكانت «الفزعة» شكلاً من أشكال التكافل الاجتماعي وهي تقوم على تقديم العون للمحتاج من أفراد المجتمع مهما كان انتماؤه. فالمجتمع يعتمد بعضه على بعض في أوقات الشدة والحاجة. كما حرصت الأسر على غرس مبادئ الحفاظ على الموارد العامة كون تلك الموارد محدودة وكنوع من الحرص على الممتلكات العامة.

هذا النوع من التنشئة الأسرية كان له دور فعال في غرس الانتماء للمجموعة البشرية وتعزيز قيم وسلوكات التماسك الأسري والمجتمعي. وكان حرص الأسرة كبيراً على غرس القيم الأخلاقية المستقاة من الدين والأعراف المتوارثة. فهناك قيم لم تؤثر فيها الحداثة ولم تخدشها المدنية الحديثة.

ما يثير الهواجس بروز بعض الظواهر الاجتماعية السلبية التي بالتأكيد تؤثر في التماسك الأسري وسلامة المجتمع وتؤدي إلى عدم الاستقرار المجتمعي. وعلى الرغم من أن تلك الظواهر ربما تكون قديمة إلا أن المجاهرة بها واحتسابها شأناً خاصاً وحرية شخصية بالتأكيد، تؤثر في سلامة المجتمع وتماسكه.

وقد تبنت بعض مجتمعات الخليج أخيراً، مبادرات مجتمعية لاقت الترحيب من قبل مؤسسات المجتمع، هدفها نشر الوعي بسلبية تلك الظواهر والتعريف بخطرها على التماسك الأسرى والمجتمعي. فهدف تلك المبادرات واضح وصريح وهو عدم إعطاء تلك الظواهر الشاذة المجال للانتشار والتأثير في القيم العائلية وحتى لا تكتسب تلك الظواهر أرضية أو قبولاً مجتمعياً.

ولذا قامت تلك المؤسسات بدراسة السبل الكفيلة بالقضاء على تلك الظواهر في مهدها عن طريق التعريف بخطرها على الأسرة والمجتمع. كما يحرص المهتمون بالجانب الاجتماعي على التأسيس لقاعدة اجتماعية يكون لها دور في التصدي لتلك الظواهر الشاذة فينشط القائمون على تلك المبادرات في التأسيس لقاعدة شعبية لمقاومة الأخطار المجتمعية.

ومن جهة أخرى فإن الالتزام الديني له أيضاً تأثير كبير في التلاحم المجتمعي والتلاحم الأسري فكلما كانت القيم الدينية التي تحث على التماسك الأسرى وقيم الأسرة متجذرة في نفس الفرد أدى ذلك إلى المزيد من التماسك الاجتماعي كما أن للمؤسسات التعليمية دوراً مهماً في نشر الوعي وتأكيد القيم الأسرية وقيم وأخلاقيات الأسرة.

 

 

طباعة Email