مستقبل أخضر لــ«بلوك تشين»

ت + ت - الحجم الطبيعي

ربما لم تكن الأسابيع الأخيرة وقتاً مثالياً لمؤسسة مثل بنك «جولدمان ساكس» الأمريكي الشهير كي يدافع عن سلسلة الكتل «بلوك تشين» أو عن تحويل الأصول ذات القيم المادية بمختلف أنواعها إلى رموز مشفرة، وغيرها من المفاهيم فائقة الحداثة في التعاملات المادية، والتي خرجت إلى النور لأول مرة من خلال قطاع العملات المشفرة. فقد شهدت تتمة سلسلة من الأزمات التي تتوالى على القطاع منذ عام، وأفقدته خلال ذلك العام نحو ثلثي قيمته الإجمالية. وتمثلت تلك التتمة في الانهيار الداخلي الذي أصاب بورصة «إف تي إكس»، والتي تعد واحدة من أهم بورصات تداول العملات والأصول المشفرة على مستوى العالم. ومن الطبيعي والمتوقع بعد هذه الأزمات أن تتراجع ثقة المستثمرين العالميين في قطاع العملات والأصول المشفرة، وأن يحجم الكثير منهم عن الاستثمار فيه.



ولكن على الرغم من ذلك، يتعين في هذا السياق أن نشير إلى واقعة مهمة، حدثت خلال نوفمبر الماضي أيضاً، وكان ذلك على هامش قمة الأمم المتحدة للمناخ، أو «مؤتمر الأطراف»، والتي انعقدت في منتجع شرم الشيخ المصري، عندما تحدثت روزي هامبسون، المديرة التنفيذية لدى «جولدمان ساكس» عن «بلوك تشين» والأصول المشفرة بسعادة وحماس شديدين خلال فعاليات القمة، كما أشارت في غير مرة إلى استخدام هذه المفاهيم في دعم السندات والصكوك الخضراء، أي السندات التي تصدرها الجهات الحكومية المختلفة لتمويل مشروعاتها الخضراء الصديقة للبيئة. ومن الجدير بالذكر أن «جولدمان ساكس» انضم خلال الأشهر الأخيرة إلى عدد من البنوك والمؤسسات المالية العالمية الحكومية والخاصة الأخرى، ومنها على سبيل المثال «هيئة النقد في هونغ كونغ» في مبادرة تهدف إلى توظيف «بلوك تشين» والأصول المشفرة في مساعدة المستثمرين الراغبين في شراء سندات وصكوك خضراء أو مستخدمة في تمويل مشروعات صديقة للبيئة وللمناخ في رصد التأثير البيئي والمناخي لهذه المشروعات في الزمن الفعلي. وبالتالي، يستطيع المستثمرون التأكد في غضون فترة قصيرة من مصداقية هذه الصكوك الخضراء ومن عدم تسببها في أي تأثيرات ضارة بالمناخ أو بالبيئة كالانبعاثات الكربونية أو الغازات السامة أو العناصر الملوثة للبيئة. ومن الأهمية بمكان في هذا السياق الإشارة إلى أن هذه المبادرة، وغيرها من المبادرات الشبيهة بدأت تحظى بزخم متزايد ودعم من الجهات الدولية المرموقة.

وبدأت هذه الجهات بالفعل في تبني مبادرات شبيهة. فعلى سبيل المثال، يعمل «البنك الدولي» حالياً على تطوير مرفق يرصد الانبعاثات الكربونية للمشروعات المختلفة ويسجلها باستخدام منظومة تعتمد على «بلوك تشين»، تسمى «تشيا». وعلاوة على ما سبق، بدأ عدد من المصارف المركزية في مختلف دول العالم في تبني تيار سائد يهدف إلى استخدام العملات الرقمية في تسوية التعاملات بين المصارف المركزية وبعضها البعض. وتجدر الإشارة في هذا الشأن إلى أن هيئة النقد في هونغ كونغ تعمل عن كثب في الوقت الراهن مع «بنك الشعب الصيني»، وعدد من المصارف المركزية الأخرى في دول العالم، على اختبار مشروع يسمى «إم بريدج» يهدف إلى تمكين المصارف المركزية المشاركة فيه من تبادل الأصول المشفرة فيما بينها بصفة فورية. وبالمثل في أوروبا، لدينا مشروعات ومبادرات مماثلة. فمثلاً، كشف كل من بنك دي فرانس والبنك الوطني السويسري النقاب عن مشروع يسمى «جورا» لتحويل العملات المشفرة فيما بينهما بسعر صرف يتغير وفقاً لآليات السوق، تماماً كما يجري عند تحويل العملات التقليدية.

وصرح أدريان توبياز من صندوق النقد الدولي في وقتٍ سابق تعليقاً على انتشار العملات المشفرة: «أهم الأشياء التي تعلمناها من العملات المشفرة هي الأفكار والتصورات الجديدة لآليات التعاملات المالية في المستقبل، مثل تحويل الأصول إلى رموز، وتوزيع دفاتر الأستاذ وغيرها. إنها أفكار شديدة الأهمية، وثمة قدر متزايد من التجريب يجري عليها في الوقت الراهن».

* رئيسة المجلس التحريري لدى «فايننشال تايمز»

ترجمة بتصرف: سيد صالح

طباعة Email