شراكة المصير

ت + ت - الحجم الطبيعي

مشروع عربي وعروبي يستحق التصفيق، التوقيت مناسب بل ضروري وحتمي، لا بديل عن الوحدة ولا مناص من فتح مسارات وآفاق اقتصادية لتحقيق الاكتفاء الذاتي عربياً. الفرصة سانحة أمام العرب لتحويل حلم الأربعينيات بجامعة الدولة العربية، إلى واقع يؤكد فكرة ومشروع التكامل العربي على جميع المستويات.

الشراكة التي شهدتها - الأحد الماضي - دولة الإمارات العربية المتحدة، مع مصر والأردن، تندرج تحت عنوان «المصير المشترك»، شراكة جاءت في ظل عالم متغير، وتصدعات وتحديات غير مسبوقة، وارتدادات جراء الحرب الروسية - الأوكرانية، ومن قبلها نزيف الاقتصاد العالمي، الذي طعنته جائحة «كورونا»، التي لم ترحم بقعة على خريطة العالم، الضربات المتلاحقة تفرض قوانينها، وترسم خرائطها الجديدة بمقاييس خاصة، المستقبل يترقب بحذر مقتضيات الحاضر. إعادة ترتيب جدول أعمال هذه الفترة الصعبة من عمر الوطن، تحتاج مثل هذا النموذج من الشراكة لتعزيز التكامل وتوسيع الدائرة، لتصبح نقطة انطلاق مركزية لتكون رافعة اقتصادية مهمة للعالم العربي.

هذه الشراكة تؤكد قدرة دول المنطقة على تعزيز علاقاتها، واستثمارها في التحليق تحت مظلة صناعية واقتصادية حديثة، من شأنها أن تكون مظلة عربية تهدف لتأمين الاحتياجات الضرورية من الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد التي تأثرت بشدة نتيجة التحولات والمتغيرات التي عصفت بالاقتصاد العالمي منذ الرابع والعشرين من فبراير الماضي.

هذه الشراكة العظيمة، تلقى متابعة واهتماماً كبيرين من قادة الدول الثلاث أنفسهم، سيما أن هذا المشروع بمثابة ثمرة نقاشات ومداولات، جمعت القادة الثلاثة بالقاهرة خلال شهر رمضان الماضي، ومن ثم فإن الخطوط العريضة والرؤية الاستراتيجية البعيدة تم صياغاتها والاتفاق عليها مسبقاً، والآن تتم ترجمتها إلى واقع ملموس، كل يستجيب بقوة، خصوصاً أن كل عاصمة من العواصم الثلاث لديها ميزة نسبية، وقيمة إضافية تمكنها من تعزيز قدرات المشروع وإنجاحه والعمل على توسعته، لكي يصبح عنواناً ونموذجاً يمكن القياس عليهما والعمل بهما داخل الدول العربية الأخرى.

هذا النوع من الشراكات العابرة للحدود، بات يشكل ضرورة للحفاظ على الوجود، والتنافس، والإرادة والنفوذ، وامتلاك القرار في عالم تتغير معالمه سريعاً، وفق حسابات الظروف الطارئة أو التقديرات المتوقعة، فنحن أمام شراكة تتعلق بترسيخ مفهوم الأمن القومي العربي الذي يضم عناصر جديدة، تشمل الأمن الغذائي، وأمن الطاقة ومرونة سلاسل الإمداد، الأمر الذي يؤكد أننا أيضاً أمام رؤية سياسية استباقية لكل التحديات المنتظرة، فبدلاً من أن تصبح المنطقة العربية طرفاً ينتظر الحصول على احتياجاته من الخارج، فإن هذه الرؤية تقود المنطقة لتصبح رقماً مهماً في معادلة سوق الغذاء والطاقة العالمي.

اللافت للنظر هنا أن الشراكة تؤكد إدراك ووعي الدول الثلاث لصعوبة الأوضاع الدولية، والفهم الواضح لعدم قدرة أي طرف بمفرده على مواجهة هذه الأزمات التي تتفاقم دون أفق لوضع نهاية لتأثيراتها.رغم أن حجم هذه الشراكة يبدأ بنحو 10 مليارات دولار، فإنني أرى الأبعاد الأكثر عمقاً وتأثيراً لهذه المبادرة، فبجانب الفوائد الاقتصادية للشعوب العربية، هناك جوانب أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها أننا نعيد إحياء نص المادة الثانية من ميثاق جامعة الدول العربية التي تقول بضرورة أن تتعاون الدول الأعضاء فيها تعاوناً وثيقاً في الشؤون الاقتصادية والمالية، بما في ذلك التبادل التجاري، وأمور الزراعة والصناعة، هذه واحدة، أما الجانب الإيجابي الآخر فهو يتعلق بإعادة النظر في القيمة والوزن النسبي للأمة العربية، في هذا التوقيت الفاصل من مسيرة العالم الذي تتم إعادة رسم ملامحه وهندسته من جديد، وبالتالي فإننا أمام رؤية تقود إلى حجز مقاعد عربية متقدمة في صفوف صناعة القرار على مائدة الكبار. الرسالة إيجابية بكل تأكيد، العمل عليها يتم تحت إشراف ومتابعة القادة الثلاثة، السباق في تنفيذها مهمة وطنية تعمل عليها كل الأجهزة التنفيذية بكل حماس، آفاق هذه الشراكة ليست فقط قاصرة على الاقتصاد، بل إنها باب رئيسي لشراكة شعبية يندمج تحتها ومن خلالها المواطن العربي، من كل الزوايا، فالمصير واحد، والتحديات مشتركة، والعبور من هذه المرحلة الصعبة يمثل مصابيح الأمل في مستقبل مشرق.

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email