الإمارات دولة عالمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

عرفت الإمارات على الدوام بأنها دولة عالمية الهوى، تنشد السلم وتحافظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، وتنبذ الكراهية والتمييز العنصري، وتتميز بتوظيفها للقيم الإنسانية وتحويلها إلى قيم إدارية.

ليس هذا فحسب، بل إن مواثيق الإمارات الأخلاقية تحث على احترام الآخر والتسامح وغيرها من القيم الإنسانية التي لا غنى عنها للتعايش السلمي العالمي والانفتاح على العالم. ولكن الإمارات مدركة بأنها تعيش في منطقة الشرق الأوسط، تلك المنطقة من العالم، والتي تعاني من عدم استقرار واضطراب مستمر وتموج بشتى أنواع الأيديولوجيات والأفكار المتطرفة؛ ولهذا فإن معظم دول الإقليم تتأثر بشكل أو بآخر من جراء هذا الطوفان الفكري والثقافي.

عرفت منطقة الخليج على مر الزمان بأنها منطقة تلاقح الثقافات الوافدة، وعرفت شعوبها بأنها مزيج ديمغرافي يضم كل ألوان وأطياف البشر. ولهذا فإنه من الطبيعي أن يثمر هذا المزيج عن ثقافة عالمية لها خصوصيتها وليست كالثقافات الأخرى.

وتعتبر دولة الإمارات ممثلاً طبيعياً وتلقائياً لتلك الثقافة العالمية. فهي تضم بين جنباتها خليطاً بشرياً لا مثيل له في العالم، كما تضم ثقافات عالمية عديدة، وكان على الدولة أن تراعي هذه الفروقات، وأن تسن القوانين والمواثيق الأخلاقية التي تحفظ للجميع حقوقهم وواجباتهم. ومن العجيب أن ذلك الخليط المتواجد على أرض الإمارات يراعي تلك الفروقات وتعايش بشكل مبهر مع بعضه البعض دون أن يحدث بينهم أي تعارض أو تناقض وخلاف.

والسبب ليس في عدم وجود ذلك التعارض أو التناقض، ولكن في مراعاة الجميع خصوصية الدولة واحترامهم التام لمواثيق الإمارات وقوانينها وخصوصيتها. ولم يحدث ذلك بالقوة أو بالضغط وإنما بالاقتناع التام بأن ما تفرضه الإمارات إنما وضع لخير المجتمع ورفاهه، وإذا لم يتم احترام تلك الخصوصية فإن المجتمع ككل معرض لحالة من عدم الوئام والتوافق التي تؤثر على الجميع.

يقول أحد المراقبين الخارجيين: «ما يشدني في تجربة الإمارات أنها نجحت في جمع الشرق والغرب، الشمال والجنوب جميعهم وبكل تناقضهم تحت سقف واحد». ففي الإمارات فقط تجد الخلاف يتحول إلى منافسة شريفة وتجد الصراع يتحول إلى تحدّ لجعل الواقع أفضل والمستقبل أكثر إشراقاً. وكثيراً ما يتحدث علماء الاجتماع عن تلك البوتقة المجتمعية التي تنصهر فيها الأعراق والأجناس والثقافات وتدفع المجتمع قدماً للأمام. وتشبه الولايات المتحدة بأنها أحد أهم تلك النماذج من المجتمعات الإنسانية التي انصهرت فيها كل الأعراق ودفعت المجتمع نحو الأمام.

ولكن الانصهار الذي حدث في الولايات المتحدة وغيرها من المجتمعات الغربية إنما هو انصهار خارجي لم يتعد السطح وإنما لامس فقط القشرة الخارجية، بينما ما يحدث في الإمارات فهو مختلف. فتوظيف الإمارات لمخزونها الثقافي والإنساني والديني خلق نوعاً من الرابطة العاطفية والإنسانية بين المجتمع وبين من أتى ليعيش فيه.

ومن الواضح أن القيم الإنسانية الراقية وتوظيفها من أجل البناء الإنساني المادي والمعنوي هو هدف من أهداف الإمارات. وتدرك الإمارات بأن القيم الإنسانية هي لب حقوق الإنسان، وهي أساس التعايش السلمي بين الأجناس والأعراق؛ ولذا فلا جدال بأن حقوق الإنسان في الإمارات هي حقوق مصونة كونها تمثل القيم الإنسانية التي قامت عليها الدولة. ولهذا فإن الإمارات تقف ضد التطرف والتميز والكراهية وتعتبرها قيماً سلبية تنافي المبادئ الإنسانية وتعمل على بث الفرقة في المجتمعات.

ولهذا تم سن القوانين ووظفت البيئة التشريعية لحماية الإنسان من أي عبث أو خرق للقوانين الموضوعة. إن الإمارات لم تصل إلي العالمية بالصدفة، وإنما عن طريق توظيف القيم الإنسانية لصيانة حقوق البشر، وجعل المجتمع بيئة جاذبة للجميع. ولن يتسنى ذلك فقط بتوفير البيئة المادية المناسبة والبنية التحتية الحديثة، وإنما بجعلها بيئة إنسانية جاذبة لكل أطياف البشر. ووراء كل ذلك التفوق تقف قيادة سياسية آمنت بأن للدولة دوراً عالمياً وإنسانياً تقوم به. كما يقف وراء هذا التفوق شعب آمن بأن رفاهه وتقدمه مرتبطان برفاه وتقدم المنطقة بأسرها.

ويشهد تاريخ الدولة بأن تلك القيم وتوظيفها ليس بالأمر الجديد وإنما مرتبط بتاريخ وتراث الدولة منذ القدم. فبحكم التجارة والتواصل بين شعوب المنطقة منذ القدم، فإن توظيف القيم الإنسانية في رخاء الدولة وتقدمها ليس بالجديد.

طباعة Email