غزو الأوطان.. وغزو العقول

ت + ت - الحجم الطبيعي

في قرون مضت، كان الغزو لبلدان وطننا العربي مباشراً وبقوة السلاح، لكنها ناضلت وقاومت، ونجحت في إجبار الاستعمار على أن يحمل عصاه على كاهله ويرحل.

وفى عقود مضت، صار الاستهداف من جانب قوى الاستعمار الجديد، عبر وكلاء إقليميين، ينشرون القتل والخراب، لكن بلداننا صمدت، ومازالت تقاوم، من أجل حماية الدولة الوطنية في كل بلد، وسعياً للاحتفاظ بترابها الوطني، وهويتها العربية.

وفى السنوات الأخيرة، تحول الأمر، وتبدلت الوسيلة إلى تفجير من الداخل، عبر جماعات تشق الصفوف، تارة باسم الدين، وتارة بلواء الطائفة، وتارة بدعوى المقاومة، أفلحت الوسيلة في بعض الدول، وأخفقت في دول أخرى، احتفظت لها جيوشها الوطنية بوحدتها، وصان وعي الشعوب بها بقاء الدولة وقدرتها على الصمود.

لم تنجح القوة الخشنة الأجنبية في تليين إرادة الشعوب العربية إزاء الحرية والاستقلال، فلجأت إلى القوة الناعمة وسيلة لغزو العقول والوجدان، بغرض طمس الهوية، وتغيير المعتقدات.

في البدء، كانت الأداة هي السينما والدراما والأغنية الأجنبية، عبر الوسائط الوطنية، لنشر القيم الغربية، وتغريب المجتمعات وتيئيس الشعوب من جدوى المقاومة، في مواجهة «السوبرمان» الغربي، و«رامبو» الذي يحمل بذراعيه مدفعه، ليحصد به جيوشاً..!

ومع ظهور المنصات التلفزيونية الأجنبية المدفوعة خلال العقد الأخير، وتعاظم تأثيرها بعد تفشي جائحة «كورونا»، وإغلاق دور السينما، وانكفاء أفراد الأسر أمام تلك الشاشات يقلبون في الأفلام والمسلسلات، بدأ الإنتاج الفني يتجه إلى الإساءة لرموز وطنية، والإقلال من شأن كفاح الشعوب ضد الاستعمار، وتحبيذ دعاوى تضرب في أسس العقائد سعياً لتلفيق دين مسخ هو «فرانكشتاين» الأديان، وترويج أفكار وسلوكيات تتناقض مع الفطرة السليمة للبشر.

وبالأسلوب نفسه «التفجير من الداخل»، انتهجت تلك المنصات، ومن أبرزها منصة «نتفليكس»، أسلوباً مستحدثاً، هو إنتاج أفلام ومسلسلات عربية، بفنانين عرب، تتناقض مع القيم العربية، وتغزو العقل العربي بمفاهيم لا تجد غضاضة في التعايش مع الخيانة الزوجية، والتغاضي عن انحراف الأبناء، وصولاً إلى تقبل «المثلية الجنسية».

وليس فيلم «أصحاب ولّا أعز» هو الأخير في تلك السلسلة الممنهجة.

فور عرض الفيلم، ثارت عاصفة من الجدل ذات اتجاهين:

اتجاه يرى أن الفيلم هو عمل فني، يأتي في إطار حرية الرأي والتعبير والإبداع.

واتجاه يدعو إلى ممارسة الضغوط على المنصة التي أنتجت الفيلم لوقف عرضه، أو إيقاف التعامل معها.

وفى رأيي المتواضع، فإن كلا الاتجاهين منقوص في رؤيته.

ذلك أن حرية الإبداع ليس معناها أنها بلا سقف، فتكون وسيلة للإساءة إلى المعتقدات، وقيم المجتمعات، أو لإذكاء الفتن بين الشعوب.

كما أن المنع، ليس ممكناً في ظل وجود ثغرات على الفضاء الإلكتروني والسماوات المفتوحة، تنفذ منها أمثال تلك الأعمال الفنية، إلى أجهزة المحمول بيد أبنائنا، والشاشات داخل الغرف المغلقة.

ومع هذا، فإن صعوبة الحظر، لا تعني الاستسلام دون مقاومة، لما يراد أن يفرض علينا من أفكار تضرب في صلب قيمنا ومعتقداتنا.

ثمة محاولات جادة، نجحت في إطلاق منصتين عربيتين، تعرضان أعمالاً فنية عربية، تلائم الذائقة، والتقاليد العربية، وتنتقى من الأعمال الأجنبية، ما لا يتعارض مع طبائع مجتمعاتنا.

لكن الواضح أن تلك الجهود ليست كافية.

وربما كان من الضروري تضافر التعاون بين الجهات الإعلامية المسؤولة في مصر والإمارات والسعودية تحديداً، لإنشاء منصة كبرى، ذات قدرات اقتصادية، تسمح لها باستثمار القوى الناعمة العربية في إنتاج أعمال فنية عدة، بل وإنتاج أفلام بممثلين ومخرجين أجانب بارزين لهم شهرة عالمية، تنقي الصورة الذهنية النمطية للدول والشعوب العربية والإسلامية.

علينا أن ننتبه لحقيقة أن غزو العقول أخطر من غزو الأرض، وأن القوة الناعمة في أحيان كثيرة أشد تأثيراً على الشعوب من قوة السلاح.

طباعة Email