00
إكسبو 2020 دبي اليوم

أمن قومي ثلاثي الأبعاد

ت + ت - الحجم الطبيعي

القصة خطيرة.. مارك يمنح البشرية أختاماً للإقامة المفتوحة، في عالم ثلاثي الأبعاد، قبل أن يغادر زبائن مملكته «فيسبوك»، ألقى بشباك جديدة، لا يستطيعون الإفلات منها.

عالم جديد.. حكاية بلا نهاية.. دوائر تكنولوجية تقودنا إلى دوائر أخرى مفتوحة.. إلى أين تذهب هذه البشرية؟!

منذ إعلان شركة فيسبوك أخيراً، ومؤسسها مارك زوكربيرج، تغيير اسمها إلى «ميتا»، ثمة توقعات وقلاقل تطرق أبواب حياتنا، وتزيد مخاوفنا، خصوصاً على أطفالنا، فهؤلاء هم المستهدفون في المقام الأول.

ثمة سؤال يطرح نفسه بقوة.. لماذا غيّرت «فيسبوك» اسمها؟ وما أهداف «ميتافيرس»؟ وما تأثير هذا العالم الجديد على أبنائنا؟ ومن يحمي البشرية من هذا العقار، الذي قطعاً سيصبح إدماناً يصعب التخلي عنه؟

هل يعلم الشاب مارك ماذا يفعل؟ وهل يعمل بمفرده، أم أنه جزء من حروب كونية دائرة الآن؟ وما علاقة «الميتافيرس» بالأمن القومي لأوطاننا؟

علامات استفهام عدة، لا تزال تبحث عن إجابات حول هذا العالم الخيالي.

حاولت البحث والقراءة حول هذا العالم الافتراضي الجديد، لكي أمسك بأطراف التفاؤل من هذه اللعبة الجديدة «لعبة مارك»، ولكي أقرأ الرسائل مبكراً، توقفت كثيراً أمام رواية الخيال العلمي «SNOW CRASH» التي ألفها الكاتب نيل ستيفنسون عام 1992، والتي تدور أحداثها حول تفاعل البشر من خلال الشبيه الافتراضي «أفاتار»، ويحتضن هذه التفاعلات والتعاملات فضاء افتراضي ثلاثي الأبعاد، مدعوم بتقنيات الواقع الجديد، وهنا استوقفني مصطلح «الميتافيرس» إذ إن هذا المصطلح ظهر للمرة الأولى في هذه الرواية، ومنذ ذلك التاريخ تم استخدام مصطلح «ميتافيرس» لشرح العالم المنفصل، المبني على الواقع الافتراضي.

لا شك أن هناك حالة ضجيج غير مسبوقة، حول تقنيات هذا الواقع الافتراضي، ومخاوف كبيرة لدى رجال الاقتصاد، وصراعاً شرساً بين عمالقة التكنولوجيا خلال الفترات المقبلة، حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود في خريطة هذا الكون الافتراضي، سيما إذا ثبت أن هذا العالم الجديد هو مستقبل الإنترنت، ومن ثم فإن السباق سيكون كبيراً بين المستثمرين، لحجز مقاعد الصفوف الأولى في السوق العالمية الجديدة.

لا أحد يستطيع، على وجه الدقةْ، أن يعرف ما الحدود التي يصل إليها مستقبلاً عالم «الميتافيرس»؟ وما حجم تأثيراته الإيجابية والسلبية؟

لكن ثمة ملاحظات بدأت تلوح في أفق بعض الخبراء، والمراقبين المتخصصين الذين تابعوا الكلام عن هذا العالم الجديد، انصبت هذه الملاحظات على المخاوف من إصابة رواد هذا العالم بأمراض نفسية وصحية كبيرة، وأيضاً قلق من أن تتحول البشرية، سيما الأطفال إلى أسرى لسلطة افتراضية، وإدمان للخيال، والانحراف النفسي، والهيمنة على المقدرات الذهنية، إذ إن الطريقة التي قدمت لنا «الميتافيرس» حتى الآن تقول إنه سيصبح المتحكم الرئيسي في عقول ضيوفه ورواده، وأنه تدريجياً سيستلب إرادة الواقع، وينقلها إلى التعايش الحقيقي مع العالم الافتراضي، كما أن هناك مخاوف كبرى من خلق مزيد من العزلة اللانهائية بين أفراد المجتمع، فنجد على سبيل المثال داخل البيت والأسرة الواحدة حالة انقسام كبرى، بين أفراد يعيشون الواقع، وبين آخرين باتوا تحت قبضة العالم الافتراضي.

فضلاً عن أن هناك قضية أخرى، أكثر خطورة، تتعلق بأن «الميتافيرس» من شأنه الحصول على أكبر قدر ممكن من البيانات الشخصية التي ستتحول إلى قوة كبيرة في يد هذه الشركات، الأمر الذي يزيد من مخاوف سوء استخدامها، كما أن إمكانات هذا العالم الجديد الذي يقوم على دمج كل برامج التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«واتساب» و«انستغرام»، من شأنها خلق مساحة أوسع من الحروب السيبرانية، لاسيما الجيل الخامس والسادس معاً، فمن يقرأ بدقة وعمق، ملامح التطور الجديد في شبكات الإنترنت، يتأكد من أننا أمام مساحة توغل كبيرة بين وسائل التواصل الاجتماعي، وبين الأمن القومي لكل دول العالم، خصوصاً الدول التي لا تملك بنية علمية قوية لمواجهة هذا الطوفان الافتراضي، وبالتالي، فإننا نحتاج إلى إمكانات من نوع خاص، لحماية الأمن القومي، في ظل مهددات عالمية، يبدو أنها ستكون أيضاً ثلاثية الإبعاد.

 كل هذه المخاوف، لا تغفل أيضاً التأكيد على أن التطور يهدف إلى سيطرة القوى العالمية على المقدرات التكنولوجية في العالم.

إذاً.. علينا أن نستعد جيداً، لهذا التطور السريع والغامض الذي يستعجل اقتحامنا، وطرق أبواب عقولنا، ليوظفها كيفما شاء.

 

* رئيس تحرير مجلة الأهرام العربي

طباعة Email