00
إكسبو 2020 دبي اليوم

نهر الشارقة العذب

ت + ت - الحجم الطبيعي

ما بين الأنهار والحضارات علاقة تاريخية وثيقة، فعلى ضفافها، بنت الأمم أول مجتمعاتها، ومن مائها العذب، خرجت الزراعة المستدامة، ورويت الكائنات، وبعثت الحياة في الحقول والسهول، لتظهر التجارة، وتبنى المراكب لنقل وتبادل السلع بين المجتمعات، لهذا، يطلق على الثقافات والحضارات البدئية، التي نمت على الضفاف اليانعة، بحضارة الأنهر، وثقافة الأنهر، مثل حضارة بلاد ما بين النهرين، وحضارة النيل في مصر، وحضارة النهر الأصفر في الصين، والجانج في الهند.

في إمارة الشارقة نهر عذب سخي، إنه نهر غير تقليدي، يختلف في توصيفه عن تلك الأنهر التي عرفناها في دروس الجغرافيا، وقصدناها زائرين للتمتع بجمالها، لكنه يتطابق تماماً معها في الأثر والأهمية، وفي الدور التنموي والحضاري، وهو معرض الشارقة الدولي للكتاب، الذي يعد نهر المعرفة الرئيس للإمارة، وواحداً من أبرز وأهم ثلاثة معارض كتب على مستوى العالم.

وحتى نكون أكثر دقة في التحليل، لا بد من القول إن نهر الشارقة، يتفوق على الأنهار الطبيعية في عمق واستدامة التأثير، فهو لا يروي الحياة البيولوجية فقط، بل يسهم بشكل مباشر في تشكل الهوية الفردية والجماعية، ويمنحها أسباب رفعتها وسموها، ويعزز المشترك الفكري والعاطفي، اللذين على أساسهما تقوم المجتمعات الإنسانية، إلى جانب دوره الآخر، المتمثل في إنعاش وبث الحياة في المنظومة الاقتصادية التنموية.

وكما لكل نهر منابع وأصول وأسباب قوة وعوامل استمرارية، فإن نبع معرض الشارقة الدولي للكتاب، وأسباب قوته واستمراريته، رؤية ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. إيمان سموه بقوة الثقافة في هندسة الوجدان العميق للأفراد والمجتمعات، منح مشاريعنا الثقافية عامةً، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب بشكل خاص، كل الأسباب للاستمرار، ومراكمة المنجزات، حتى أصبحت الشارقة واحدةً من أهم المراكز الثقافية العالمية، وارتبط اسمها بنظريات التنمية المستندة للثقافة والاستثمار في المعارف، والمهارات البشرية.

أوجه الشبه بين معرض الشارقة الدولي للكتاب، والأنهار، لا تنتهي، لكن هناك جانبان أساسيان في هذا التشابه، من الضروري إضافتهما على ذكرناه سابقاً في هذه المقالة، وهما الأصالة والتراكمية، فمشروع الشارقة الثقافي، الذي بدأ بالمعرض، لتتفرع منه جداول عذبة متعددة التخصصات، هو تجربة أصيلة وخاصة جداً بالشارقة، لا تنفصل ولا تبتعد، ولو قليلاً، عن طموح مجتمع الإمارة وسماته.

وعلى الرغم من كونها منفتحة على تجارب العالم، وتستفيد منها، إلا أنها في العمق والجوهر، تجربة لها فرادتها وشخصيتها المستقلة، نتجت عن تفاعل المجتمع مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية، التي تشكلت عبر مسيرة عقودٍ طويلة.

الجانب الآخر، وهو الفعل التراكمي لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، وهنا، علينا التأكيد أن المشاريع الثقافية الكبرى لا تظهر من الفراغ، ونتائجها لا تتحقق بين يوم وليلة، بل تفعل ما يفعله النهر، يبث ماءه للأرض عبر السنين، فتزداد خصباً، لتنمو البذور، وتصبح أشجاراً، ثم تطرح ثمراً يجذب الناس، لترسي قواعد حضارتها على ضفافه.

سيستمر نهر الشارقة العذب في الجريان، لقد حفر مكانته ومجراه عميقاً في وجدان المنطقة وذاكرتها، وأصبح عنواناً للثقافة العربية، ورمزاً لقدرتها على الحضور المؤثر في ثقافات العالم.

* رئيس هيئة الشارقة للكتاب

طباعة Email