العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تعليم الثقافة والإبداع لأطفالنا أساس بناء اقتصاد مستدام

    تحتفي منظمة اليونسكو بقيمة التعليم عالياً باعتباره أهم الموارد المتجددة في العالم، بل ومطلباً أساسياً في منظومة حماية حقوق الإنسان وركيزة رئيسية في تحقيق المصلحة العامة.

    وإنني لا أختلف مع هذا المفهوم الشمولي حول التعليم، ولكنني أجده كذلك أحد الأسس الرئيسية لأي دولة ناجحة، وربما أيضاً أحد أعظم أنواع الاستثمار في الذات التي يمكن لأي إنسان القيام بها في حياته. وأعتقد بدوري أن الأمر نفسه ينطبق على أهمية التعليم الإبداعي والثقافي في تطوير اقتصاد قوي ومستدام.

    لقد قيل الكثير عن أهمية إدخال الفنون والإبداع في المناهج الدراسية حول العالم، وأعتقد أن أكثر المواضيع التي نُوقشت بشدة وضمن هذا السياق هي النهج التعليمي القائم على مهارات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، أو ما يُعرف بـ (STEM)، مقابل النهج ذاته ولكن مع إضافة الفنون، وهو ما يُعرف بـ (STEAM).

    يعتقد الكثير من الآباء أن اكتساب أطفالهم لمهارات في موضوعات مثل العلوم أو التكنولوجيا أو الهندسة أو الرياضيات يصب في مصلحة الأطفال، ويساعدهم على تحقيق النجاح في المستقبل، ويُنظر إلى مواضيع مثل الفنون أو الموسيقى أو الكتابة الإبداعية على أنها غير جديرة بالاهتمام.

    قد لا يكون هذا مفاجئاً للغاية، حيث لا يُنظر إلى الفنانين أو الموسيقيين أو الشعراء على أنهم «قابلون للتوظيف»، وبشكل خاص في سوق العمل اليوم، ولا يُعرف عن مهنهم بأنها تدرّ دخلاً مُجزياً بالمتوسط. لكن ما يغفل عنه الكثير من الناس هنا هو أن المواد الإبداعية يمكن أن تعلّم مهارات حياتية مهمة أكثر من مجرد نظريات الرسم أو الشعر أو الموسيقى.

    إن القيمة الحقيقية لهذه الموضوعات الفنية لا تكمن في فرص العمل التي تقدمها، ولكن في أنها تعلّم الإبداع وتوسّع الخيال – والتي هي مهارات لا تقدّر بثمن في جميع التخصصات.

    لنفكر على سبيل المثال في عالِمٍ يعمل في أبحاث السرطان، حيث لا توجد قاعدة أو إجراء ثابت للوصول إلى اكتشافات طبية؛ بل يعتمد على التجربة واستكشاف حلول بديلة، فعليه المحاولة مراراً وتكراراً لاكتشاف طرق جديدة ومختلفة وسبل غير مستغَلة، والتفكير بطرق مبتكرة لتحقيق التقدّم المعرفي.

    لكي ينجح أي شخص في حياته المهنية، يجب أن يكون قادراً على الاستفادة من مخيلته. ولكي يزدهر أي مجتمع، من الضروري أن يكون أفراده متنوعين ثقافياً وتعليمياً وفكرياً؛ ويشمل ذلك الإبداع. وعلى نحو مماثل، فمن الأهمية أن تكون التخصصات الفنية جزءاً في السنوات التمهيدية للأجيال القادمة. ويتعلق الأمر بتطوير وتشجيع الإبداع والخيال كمهارات أساسية للجميع.

    وبالانتقال إلى المشهد الثقافي والإبداعي، يصبح تعليم الفنون أكبر قيمة وأكثر أهمية من قبل. وفي حين شهد قطاع الإبداع في دبي نمواً متسارعاً خلال السنوات القليلة الماضية، أصبح من الأهم الآن أن نضع استدامة هذا القطاع في أعلى سلّم أولوياتنا، واستناداً إلى ذلك، أعتقد أننا بحاجة إلى التركيز على الجيل القادم.

    ولكي نتمكن من مواصلة النمو وتطوير المشهد الثقافي في دبي، والأكثر من ذلك تحقيق التميز بين أقراننا الإقليميين والعالميين، فمن الأهمية أن نستثمر في تعليم الجيل القادم من محبي الثقافة، سواء الممارسين أم المعلمين والمدرّبين.

    وإضافة إلى الاستفادة من الاقتصاد الإبداعي والمشهد الثقافي المحلي، يتيح لنا وجود نظام تعليمي قوي للفنون والثقافة استقطاب المواهب الخارجية وتعزيز مكانة دبي في المنطقة كمركز ثقافي. وخير مثال على ذلك معهد دبي للتصميم والابتكار (DIDI).

    ففي العام 2018، افتُتح معهد التصميم في حي دبي للتصميم (d3)، ولاقى رواجاً كبيراً بين المصممين والمبتكرين من أفراد المجتمع الإبداعي في دبي. ووفر المعهد بديلاً ديناميكياً لمراكز التصميم والفنون التقليدية، مثل مدينتي ميلانو أو نيويورك. كما يستفيد طلابه من مشهد التصميم المحلي المتنامي والذي يتمتع بفرص عمل وافرة، وموقع يعكس في الوقت ذاته مكانة المدينة التي تحتضنه كمركز إقليمي وعالمي.

    ومن أهمية المهارات الإبداعية بناء الأسس لاقتصادنا الإبداعي، واستخدام التميّز التعليمي لاستقطاب المواهب العالمية، لا يسعني إلا أن أؤكد بشكل كبير على أن الفن والثقافة والإبداع يجب أن يكونوا جزءاً أساسياً من العملية التعليمية لأطفالنا وشبابنا، وكذلك تطورنا المستمر.

    ولا يتعلق الأمر بدخول المزيد من الفنانين والموسيقيين والكتاب إلى سوق العمل، ولكن لبناء المستقبل المتين والمستدام الذي نطمح إليه في دبي، لا بد لمناهجنا التعليمية أن تعكس الشخصيات الرفيعة والمثقفة التي نسعى جميعاً أن نحققها لأنفسنا.

    هذا، بالطبع، ليس جديداً على دولة الإمارات، وكثيراً ما تلهمني كلمات والدي صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، حينما قال: «أجيال الحاضر والمستقبل تتصدر طليعة أولويات أجندة خطط التنمية الوطنية كافةً». وإنني أحثّ الجميع بالسير على خطى سموّه لإرساء أسس نجاح دولتنا ومواصلة مسيرة الازدهار.

     

    طباعة Email