العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الإمارات.. عبر الصحاري وإلى الفضاء

    من الغوص بحثاً عن اللؤلؤ إلى اكتشاف النفط والغاز واستكشاف الفضاء، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كقوة لا يستهان بها في مجمل مساعيها، وقد حمل مواطنو الدولة على أكتافهم الرؤية المثالية للآباء المؤسسين للدولة، وسعوا بدورهم لدفع الإمارات بقوة نحو تعزيز قدراتها على التميز في جميع المجالات، وفيما تسير الدولة نحو يوبيلها الذهبي هذا العام، احتفالاً بمرور 50 عاماً على تأسيسها، فإنها تتطلع أيضاً إلى رؤية مستقبلية للنمو والازدهار والوحدة لـ "الخمسين سنة المقبلة".

    وقد شهدت الإمارات أيضاً واحدة من أكثر الاستجابات فعّالية للوباء، بدءاً من إجراء الاختبارات على الصعيد الوطني إلى حملة التعقيم والحصول على لقب واحدة من أكثر الدول تطعيماً في العالم أخيراً، لم تساعد هذه الجهود في الحد من انتشار كوفيد-19 فحسب، ولكنها سمحت أيضاً للإمارات في أن تصبح دولة أكثر صحة، كما في عودة الحياة الطبيعية في شتى المجالات من التجارة والسياحة وإقامة الفعاليات والحياة اليومية. 

    وعليه، من المناسب أن تجد مناسبات عالمية، مثل معرض أكسبو 2020 والمؤتمر الدولي الثاني والسبعون للملاحة الفضائية، موطنها في مدينة دبي، وسيُقام كلا الحدثين على تراب الشرق الأوسط للمرة الأولى على الإطلاق، وفي الوقت الذي يشكل معرض أكسبو 2020 انعكاساً للمدينة العالمية متعددة الجنسيات التي تحولت إليها دبي، فإن استضافة الحدث الفضائي الرائد عالمياً، تتحدث مطولاً عن الإنجازات الاستثنائية التي حققتها دولة الإمارات على مدار تاريخها الفتي في هذا القطاع. 

    رحلة الفضاء الإماراتية

    وكانت جهود عدد كبير من الرواد قد لعبت دوراً أساسياً في جعل صناعة الفضاء واحدة من أكثر المجالات المتميزة في أنحاء العالم، وقد وفرت التطورات في مجال الفضاء ثروة من المعرفة حول الأرض والكون وما هو أبعد منهما، ليس هذا فحسب، بل ساعدت أيضا في انشاء اختراعات وتكنولوجيات جعلت حياة الإنسان أسهل، ومن خلال إدراك إيجابيات صناعة الفضاء، قامت دولة الإمارات أيضاً باستكشاف وترسيخ مكانتها كرائدة في هذا المجال في المنطقة العربية، ضمن جهود تنويع اقتصادها. 

    ويعود الانبهار بالفضاء في الإمارات إلى تاريخ تشكل الدولة، وهو التاريخ الذي تزامن للصدفة مع سباق الفضاء، فبعد سنوات قليلة من أول هبوط على سطح القمر، إلتقى الأب المؤسس لدولة الإمارات، المغفور له الشيخ زايد "طيب الله ثراه"، بالمستكشفين الأميركيين في مهمة أبولو 17، حيث قدموا له قطعة صخرة من القمر، وتظهر إحدى الصور الشهيرة لمجلة "تايم"، رواد الفضاء، يوجين سيرنان ورونالد إفانز وهاريسون شميت، وهم يشرحون للمغفور له بالتفصيل عن المكوك والمهمة، فيما كان يستمع إليهم باهتمام. 

    وكان ذلك الاجتماع قد وضع الأسس لما حققته دولة الإمارات اليوم كدولة ترتاد الفضاء. هذا، وتشمل تطورات البلاد في قطاع الفضاء إنشاء وكالة الفضاء الخاصة بها، وإطلاق شراكات متعددة وبرامج أكاديمية، واستثمارات في أبحاث علوم الفضاء واستكشافاتها، وقد لعب مركز محمد بن راشد للفضاء منذ إنشائه دوراً أساسياً في بعث الطاقة في رحلة الإمارات نحو النجوم وأبعد من ذلك، فمن بناء أول محطة اتصالات فضائية في جبل علي إلى إطلاق أقمار اصطناعية محلية الصنع، وإرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى الفضاء، وحتى إرسال أول مسبار عربي إلى المريخ، حقق المركز هدفاً تلو الآخر. 

    وقد أطلق مركز محمد بن راشد للفضاء القمر الاصطناعي "دبي-سات-1"، وهو قمر صناعي لمراقبة الأرض في عام 2009 بمشاركة مهندسين إماراتيين وبشراكة مع كوريا الجنوبية، وبدأ المركز العمل على "دبي سات -2" بعد فترة وجيزة والذي تم تصنيعه وإطلاقه في فترة أقصر بكثير، حيث وفّر صوراً ضوئية للأرض لأغراض مختلفة، ثم في عام 2018 تم إطلاق "خليفة سات"، وهو أحد أكثر أقمار المراقبة بالاستشعار عن بعد تقدماً من الناحية التكنولوجية، وقد تم بناؤه وتصميمه بالكامل في دولة الإمارات، وفي عام 2020، أصبحت الإمارات أول دولة عربية ترسل مسباراً بين الكواكب إلى المريخ، وهذا المسبار وصل إلى مدار الكوكب الاحمر في وقت سابق من هذا العام، ويقوم حالياً بجمع بيانات لم يسبق لها مثيل. 

    واليوم يعرف الجميع أسماء رائدي الفضاء، هزاع المنصوري وسلطان النيادي، ولم يعمل برنامج الإمارات لرواد الفضاء على وضع أول إماراتي في الفضاء فحسب، بل ألهم جيلا من عشاق الفضاء أيضاً وأوجد اهتماماً غير مسبوق بمجال السفر إلى الفضاء والعلوم والتكنولوجيا.. واليوم، يتكون البرنامج من 4 رواد فضاء، بمن فيهم محمد الملا ونورا المطروشي، وهي أول رائدة فضاء عربية. 

    وتسعى دولة الإمارات إلى تعزيز قدراتها الخاصة، سواء من خلال حصولها على قائمة من المواهب المحلية أو رواد الفضاء او حتى التكنولوجيات التي يجري ابتكارها وتصميمها وإكمالها محلياً. 

    ما وراء ذلك

    وسيكون عام 2021 وما بعده حتى أفضل وأكبر للمرحلة المقبلة، والإمارات حالياً في طور بناء أول مركبة عربية للقمر تحمل اسم "راشد"، تيمناً باسم باني النهضة الحديثة لدبي، وأحد مؤسسي دولة الإمارات. وتعد مهمة الإمارات القمرية مشروعاً وطنياً طموحاً يأمل أن يحفز النهضة العلمية العربية في المنطقة وأن يرسخ المكاسب التي حققتها دولة الإمارات في قطاع الفضاء على مدى العقد الماضي. 

    وتشمل البرامج الاستراتيجية الأخرى في مجال الفضاء، في العقد المقبل، الحصول على بيانات علمية جديدة وفريدة من نوعها من مسبار الأمل، وتلك ستكون في متناول أكثر من 200 مؤسسة بحثية أكاديمية وعلمية حول العالم، كما أن دولة الإمارات هي موطن لبرنامج المريخ 2117، الذي سيستخدم أحدث المعارف البشرية لاستكشاف الفضاء، في حين أن برنامج تطوير الأقمار الاصطناعية سيساعد في زيادة كفاءة شبكة الأقمار الاصطناعية وتقنيات الفضاء المتقدمة التي يجري تطويرها محلياً. 

    ومن المكونات الرئيسية الأخرى للاستراتيجية، هناك برنامج استدامة قطاع الفضاء الإماراتي، والذي سوف يشهد إنشاء مركز الابتكار والتطوير، بالشراكة مع زارة التعليم العالي والبحث العملي، ووزارة التربية والتعليم، وجامعة دبي، ومجموعة مختارة من المؤسسات المتخصصة في علوم الفضاء. ويعمل مركز محمد بن راشد للفضاء أيضا على بناء بيئة داعمة لرواد الفضاء وإلهام أكثر من 22000 طالب لدراسة علوم الفضاء والمساهمة في جعل الإمارات مركزاً لتكنولوجيا الفضاء. 

    استضافة المؤتمر الدولي 2021 

    وفي حين أن الكثير منا لن يكون حاضراً لرؤية ثمار المشاريع الطموحة طويلة الأجل لقطاع الفضاء، فإن العمل الذي تقوم به العقول اللامعة اليوم سيشكل نقطة انطلاق للجيل المقبل من الحالمين والفاعلين في المنطقة العربية لدخول الفضاء ورحابه. 

    إن استضافة المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية في دبي في أكتوبر المقبل يبشر بعصر فضاء جديد للمنطقة ويغرس الشغف الذي سيقود الجيل المقبل إلى تصويب الهدف نحو الانجاز الكبير التالي في الفضاء، كما يوفر المؤتمر فرصة لبلدان المنطقة العربية لتوسيع التعاون مع وكالات الفضاء ورجال الأعمال من جميع أنحاء العالم، ومثل هذا التضامن هو ما سيعزز استخدام الفضاء من أجل السلام والأمل وغد أكثر إشراقاً. 

    وفي جميع أنحاء العالم، ينفذ رواد أعمال في مجال الفضاء خططاً للاستفادة من الانخفاض الهائل في تكاليف الوصول إلى الفضاء والعمل فيه، وتستحق جهودهم، جنباً إلى جنب، مع جهود الحكومات في أنحاء العالم، أن نوليها اهتمامنا، ليس فقط من أجل نمو صناعة الفضاء، ولكن أيضا من أجل توسيع المعرفة بما هو أبعد من ذلك.

     

    ترجمة: نهى حوا

    المصدر: مقال رأي منشور في موقع "سبيس ووتش"  الفلكي التابع لجامعة أريزونا الأمريكية

    طباعة Email